رسالة مفتوحة إلى وزير الفلاحة: من يريد تقزيم مؤسسة المحافظ العام ودفن قرن من الذاكرة العقارية؟

حين يتعلق الأمر بمؤسسة بحجم الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، فإن أي تغيير في هندستها التنظيمية واختصاصاتها لا يمكن أن يُختزل في مجرد إعادة ترتيب للمصالح أو تغيير في المسميات.

نحن نتحدث عن مؤسسة استراتيجية، وعن جهاز ارتبط اسمه، لأكثر من قرن، بحماية الملكية العقارية وتأطيرها قانونياً وتقنياً، وعن مؤسسات وتراكم من الخبرة والمعرفة لا يجوز التعامل معه بمنطق التجريب الإداري.

ومن هنا، فإن «بيتنا الآن» ترفع هذه الرسالة المفتوحة إلى وزير الفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري والمياه والغابات، باعتباره المسؤول الحكومي الوصي، وتطرح سؤالاً واضحاً وصريحاً: من يريد تقزيم مؤسسة المحافظ العام؟ ولماذا؟ وإلى أين تتجه الوكالة؟

المحافظ العام… ليس مجرد مكتب يمكن دمجه

مؤسسة المحافظ العام ليست مصلحة إدارية عادية يمكن اختزال دورها في خانة داخل هيكل تنظيمي.

إنها، بحكم طبيعة اختصاصاتها وتراكمها التاريخي، واحدة من أهم الدعائم القانونية والتشريعية داخل منظومة المحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية. فهي التي يفترض أن تشكل مرجعاً في تفسير وتوحيد الممارسة القانونية، ومواكبة المحافظين ورؤساء المصالح الخارجية في المستجدات التشريعية والتنظيمية، وتوجيههم في القضايا التي تتطلب قراءة دقيقة للنصوص القانونية ذات الصلة بالعقار والمحافظة العقارية.

كما أن طبيعة العمل العقاري نفسها تجعل من الاستشارة القانونية المتخصصة ضرورة لا ترفاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تتقاطع فيها الملكية العقارية مع القضاء والتشريع والمالية العامة والاستثمار والمشاريع الكبرى.

فكيف يمكن، إذن، التعامل مع مؤسسة بهذا الوزن وكأن الأمر يتعلق بمجرد إعادة توزيع للمكاتب؟

وهل يُعقل أن تختزل مؤسسة راكمت خبرة لأكثر من قرن في مجرد قسم داخل مديرية؟

التقزيم… قرار إداري أم بداية إفراغ المؤسسة من مضمونها؟

المعطيات المتداولة حول إعادة الهيكلة تفيد بإدماج مؤسسة المحافظ العام ضمن قطب الشؤون العقارية والقانونية، إلى جانب مديرية المحافظة العقارية وقسم الشؤون القانونية.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

هل نحن أمام إصلاح إداري فعلي يروم تقوية المؤسسة وتحديث آليات اشتغالها؟

أم أن الأمر يتعلق، في نهاية المطاف، بتقزيم موقع مؤسسة المحافظ العام وتقليص استقلالية اختصاصاتها ووزنها المؤسساتي؟

إن كان الهدف هو الإصلاح، فـ«بيتنا الآن» تقول: أهلاً بالإصلاح، لكن الإصلاح الذي يقوي المؤسسات لا الذي يفرغها من اختصاصاتها.

أما إذا كان المقصود هو تقليص نفوذ مؤسسة تاريخية وإدخالها في بنية إدارية جديدة تفقدها خصوصيتها، فإن السؤال يصبح أكبر بكثير من مجرد هيكلة داخلية.

أين يقف المدير العام؟ ومن يمسك بمفاتيح الوكالة؟

والأخطر من ذلك أن إعادة توزيع الاختصاصات تفتح سؤالاً آخر لا يمكن القفز عليه:

ما هي الحدود الفعلية لاختصاصات المدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، وما هي حدود اختصاصات الكاتب العام؟

فالمدير العام هو المسؤول الأول عن تدبير المؤسسة وتنفيذ توجهاتها، وهو الذي عُيّن على رأسها بإرادة ملكية سامية، وبالتالي فإن وضوح الاختصاصات والمسؤوليات داخل هذه المؤسسة الاستراتيجية ليس شأناً ثانوياً.

ومن هنا، فإن «بيتنا الآن» لا تتهم أحداً، وإنما تطرح سؤالاً مؤسساتياً مشروعاً:

إذا كانت مجموعة من الاختصاصات الأساسية قد أصبحت مجمعة داخل بنيات تابعة للكاتب العام، فأين تبدأ اختصاصات المدير العام وأين تنتهي؟

وهل أصبح المدير العام، بفعل هذه التحولات، محاصراً بهيكلة إدارية تجعل جزءاً مهماً من مفاتيح القرار بعيداً عن يده؟

وهل يمكن لمؤسسة استراتيجية أن تسير بعقلين إداريين بدل قيادة مؤسساتية واضحة؟

الكاتب العام… هل تحول من سند إداري إلى مركز القرار؟

سبق لـ«بيتنا الآن» أن أثارت، في مقالات سابقة، ما وصفته بـ**«الأخطبوط الإداري»** داخل الوكالة.

واليوم تعود الجريدة إلى السؤال نفسه، ولكن من زاوية مؤسساتية أوسع:

إذا كان الكاتب العام قد أصبح يشرف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على مجموعة من البنيات والاختصاصات الحساسة، فهل نحن أمام مجرد تنسيق إداري طبيعي، أم أمام تراكم لاختصاصات يمكن أن يعيد رسم موازين القوة داخل الوكالة؟

المسألة ليست شخصية.

المسألة تتعلق بالمؤسسة.

فالمؤسسات الكبرى لا تُدار بمنطق الأشخاص، وإنما بمنطق الاختصاصات المحددة، والمسؤوليات الواضحة، وسلسلة القرار التي لا تترك مجالاً للالتباس.

وإذا كانت هناك ملاحظات حول تمديد مهمة الكاتب العام للمرة السادسة، وبمعدلات تمديد متتالية، فإن ذلك أيضاً يستحق التوضيح المؤسساتي، ليس من باب التشهير أو المساس بالأشخاص، وإنما من باب حق الرأي العام في فهم منطق التدبير داخل مؤسسة عمومية استراتيجية.

رسالة إلى وزير الفلاحة… قبل أن يضيع السؤال

السيد الوزير،

إن ما يحدث داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية لا ينبغي أن يبقى شأناً داخلياً مغلقاً، لأن الأمر يتعلق بمؤسسة عمومية استراتيجية تمس بشكل مباشر حقوق المغاربة في الملكية العقارية، ومصالح المستثمرين، والإدارة، والقضاء، والجماعات الترابية، ومختلف المتعاملين مع العقار.

لذلك نسألكم بكل وضوح:

هل تم فعلاً تقليص المكانة المؤسساتية لمؤسسة المحافظ العام؟

هل دمجها في قطب الشؤون العقارية والقانونية يخدم مصلحة الوكالة أم يضعف خصوصية اختصاصاتها؟

من صاحب القرار الفعلي في الملفات العقارية والقانونية الحساسة؟

وهل ما زالت الاختصاصات موزعة بشكل يحفظ التوازن بين المدير العام والكاتب العام؟

ثم، وهو السؤال الأهم:

هل ما يحدث يدخل في إطار إصلاح حقيقي للوكالة، أم أنه إعادة رسم لموازين القوة داخلها؟

وماذا يقول مجلس الإدارة؟

إذا كان الأمر يتعلق بإعادة هيكلة مؤسسة بهذا الحجم، فإن المسؤولية لا تقع على الوزير وحده.

فأمام أعضاء المجلس الإداري للوكالة مسؤولية تاريخية أيضاً.

وأمام المدير العام للوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، وكذا المصالح المختصة في المنشآت العامة والخاصة، أسئلة لا تقل أهمية.

فهل تم تقييم آثار هذه التغييرات على الحكامة؟

وهل تمت دراسة انعكاساتها على وضوح الاختصاصات والمسؤوليات؟

وهل تم قياس أثر تقليص مكانة مؤسسة المحافظ العام على الأمن القانوني للعقار وعلى توحيد الممارسة داخل مختلف المحافظات العقارية؟

هذه ليست أسئلة «بيتنا الآن» وحدها.

إنها أسئلة الحكامة العمومية.

لا تقتلوا المؤسسة باسم الإصلاح

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسات العريقة هو أن تتحول الإصلاحات الإدارية إلى عملية صامتة لتفكيك ذاكرتها وخبرتها واختصاصاتها.

نحن لسنا ضد التطوير.

لسنا ضد الرقمنة.

لسنا ضد إعادة الهيكلة.

ولسنا ضد تجديد الإدارة.

لكننا ضد أن يصبح عنوان الإصلاح هو إضعاف مؤسسة كانت، لعقود طويلة، مرجعاً في القانون العقاري.

فالوكالة ليست ملكاً لهذا المسؤول أو ذاك.

ومؤسسة المحافظ العام ليست إرثاً شخصياً لأحد.

والكاتب العام ليس فوق المدير العام، كما أن المدير العام ليس فوق القانون.

كل واحد له اختصاصاته، وكل واحد له مسؤولياته، والمؤسسة فوق الجميع.

ومن هنا نقولها بصوت مرتفع:

لا تُقزّموا المحافظ العام.

لا تدفنوا قرناً من الخبرة العقارية داخل هيكلة إدارية غامضة.

ولا تجعلوا إعادة التنظيم الإداري مدخلاً إلى إفراغ مؤسسة تاريخية من وزنها القانوني والمؤسساتي.

فإذا كان الإصلاح مطلوباً، فليكن إصلاحاً يعزز الحكامة ويقوي المؤسسات.

أما إذا كان المقصود هو نقل مراكز القوة وتجميع الاختصاصات في يد جهة واحدة، فإن الصمت لن يكون مقبولاً.

وفي نهاية المطاف يبقى السؤال الذي نضعه أمام الوزير، وأمام المدير العام، وأمام الكاتب العام، وأمام أعضاء المجلس الإداري، وأمام كل الجهات المعنية:

ماذا بقي للمدير العام من الاختصاصات الفعلية إذا أصبحت المفاتيح الأساسية للوكالة موزعة في اتجاه واحد؟

وإذا كان الجواب أن كل شيء يسير وفق القانون والاختصاصات، فلتُفتح الملفات، ولتُكشف الهيكلة، وليُشرح للرأي العام أين تبدأ مسؤولية كل طرف وأين تنتهي.

لأن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية أكبر من الأشخاص…

**وأكبر من المناصب…

وأكبر من أي كاتب عام أو مدير عام…

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد