الجزائر تقطع مع الإمارات… هل قطعت الطريق على مصالحها؟

افتتاحية بيتنا الآن: عندما تنتصر لغة القطيعة على لغة المصالح، من يدفع الثمن؟

في خطوة دبلوماسية ثقيلة بكل المقاييس، أعلنت الجزائر، اليوم، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، معللة قرارها بما وصفته بـ«تصرفات استفزازية أو عدائية»، ومعلنة أن كل الوسائل الدبلوماسية للحفاظ على العلاقة قد استُنفدت.

قرار ليس عادياً، ولا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خلاف عابر بين وزارتَي خارجية، لأن الأمر يتعلق بعلاقة بين دولتين عربيتين ترتبطان بشبكة من المصالح الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والإنسانية.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي ال

ذي ينبغي أن يُطرح بعيداً عن لغة البيانات الرسمية والشعارات السياسية:

ماذا ستربح الجزائر من قطع العلاقة؟ وماذا يمكن أن تخسر؟

فالسياسة الخارجية ليست فقط مواقف ومبادئ، وإنما هي أيضاً حساب دقيق للمصالح الوطنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدولة مثل الإمارات التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز مالي واستثماري وتجاري عالمي، وتوسعت استثماراتها وشراكاتها في إفريقيا والعالم العربي.

من يدفع فاتورة القرار؟

قد تكون القطيعة الدبلوماسية قراراً سياسياً، لكنها لا تبقى بالضرورة محصورة في المجال السياسي.

هناك استثمارات، وشركات، واتفاقيات، وحركة تجارية، ونقل جوي وبحري، ومصالح رجال أعمال، وعمال، وطلبة، ومستثمرين، وأفراد وعائلات جزائرية تعيش في الإمارات.

والجزائر والإمارات ترتبطان بالفعل باتفاقيات في مجالات الاستثمار، والضرائب، والجمارك، والنقل البحري والجوي، والتعاون القضائي وغيرها، وهو ما يجعل القطيعة السياسية تفتح الباب أمام مرحلة من عدم اليقين الاقتصادي والقانوني، حتى وإن كانت القطيعة الدبلوماسية لا تعني تلقائياً إلغاء كل هذه الاتفاقيات في اليوم التالي.

أما التجارة الثنائية، فقد بلغت قرابة مليار دولار وفق بيانات متداولة عن سنة 2023، وهو رقم لا يمثل اقتصاد الجزائر برمته، لكنه بالتأكيد ليس رقماً يمكن تجاهله، خصوصاً عندما تكون الجزائر في حاجة إلى تنويع شركائها وجذب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية.

الإمارات ليست مجرد سفارة!

المشكلة أن البعض قد يتعامل مع قطع العلاقات وكأن الأمر يتعلق بإغلاق سفارة واستدعاء سفير وانتهى الأمر.

لكن الإمارات ليست مجرد بعثة دبلوماسية في الجزائر، والجزائر ليست مجرد علم يرفرف في أبوظبي.

هناك مصالح متشابكة.

هناك شركات.

هناك استثمارات.

هناك حركة أموال وتجارة.

وهناك آلاف الجزائريين الذين اختاروا الإمارات فضاءً للعمل والإقامة والاستثمار.

وقد سبق لوزارة الخارجية الإماراتية أن تحدثت عن وجود نحو 30 ألف جزائري مقيم في الإمارات سنة 2020، وهو رقم رسمي قديم، ولذلك لا ينبغي التعامل معه باعتباره العدد الحالي الدقيق للجالية.

وهؤلاء المواطنون الجزائريون هم أول من ينبغي أن يُطرح السؤال بشأن وضعهم.

هل ستتأثر إقاماتهم؟

هل ستتأثر معاملاتهم القنصلية؟

هل ستتأثر حركة السفر والعمل والاستثمار؟

هل ستظهر صعوبات جديدة أمام رجال الأعمال الجزائريين؟

وهل ستبقى المصالح الاقتصادية والاجتماعية لهؤلاء المواطنين بمنأى عن تداعيات الخلاف السياسي؟

هذه أسئلة مشروعة، ولا يمكن الإجابة عنها بالشعارات.

القطيعة مع الدولة لا تعني القطيعة مع الشعوب

واللافت في الموقف الإماراتي الأول أن أبوظبي لم تستخدم لغة التصعيد، بل قالت إنها تأمل أن يكون القرار الجزائري مؤقتاً، وشددت على تقديرها للشعب الجزائري وعلى الروابط التي تجمع الشعبين، وخصوصاً الجالية الجزائرية المقيمة في الإمارات والزوار الجزائريين.

وهذه نقطة مهمة.

فالدبلوماسية الرشيدة تفرق بين الخلاف مع حكومة وبين العلاقات بين الشعوب.

وحتى عندما تصل العلاقات بين دولتين إلى مرحلة القطيعة، فإن المصالح الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى رهينة للصراع السياسي.

هل ستخسر الجزائر اقتصادياً؟

لن يكون من الدقيق القول إن الاقتصاد الجزائري سينهار بسبب قطع العلاقات مع الإمارات، فهذا مبالغة لا تستند إلى منطق اقتصادي.

لكن سيكون من غير الدقيق أيضاً القول إن القرار بلا تكلفة.

الضرر المحتمل قد يظهر بصورة تدريجية، من خلال تراجع الاستثمارات أو تأجيل مشاريع أو ارتفاع درجة المخاطر أمام المستثمرين أو تعقيد حركة رجال الأعمال والتجارة والنقل، فضلاً عن احتمال فقدان قنوات تعاون اقتصادية كان يمكن تطويرها.

والأخطر من ذلك هو رسالة الثقة.

فالاستثمار الأجنبي لا يبحث فقط عن الموارد الطبيعية والأسواق، وإنما يبحث كذلك عن الاستقرار السياسي، واستمرارية الاتفاقيات، وإمكانية توقع السياسات الحكومية على المدى المتوسط والبعيد.

وعندما تصبح العلاقات السياسية عرضة للقطيعة المفاجئة، فإن المستثمر يسأل قبل أن يضع أمواله:

ماذا لو تغيرت العلاقات السياسية غداً؟

وهذا السؤال وحده يمكن أن يكون مكلفاً.

الخلاف الحقيقي أعمق من سفير

لا يمكن قراءة الأزمة الجزائرية الإماراتية بمعزل عن الملفات الإقليمية التي راكمت الخلافات بين البلدين خلال السنوات الماضية، من الموقف من إسرائيل، إلى الملف الصحراوي، مروراً بالتنافس على النفوذ في منطقة الساحل، فضلاً عن اختلاف الرؤى بشأن عدد من الأزمات الإقليمية.

وقد أشارت تقارير اليوم إلى أن التباعد بين الطرفين شمل كذلك الموقف من الصحراء، حيث تدعم الإمارات موقف المغرب، بينما تدعم الجزائر جبهة البوليساريو، كما تزايد تقاطع المصالح والنفوذ بين البلدين في منطقة الساحل.

إذن، ما حدث اليوم ليس وليد لحظة واحدة.

إنه انفجار لخلافات تراكمت حتى وصلت إلى نقطة اللاعودة… أو هكذا يبدو الآن.

الجزائر أمام امتحان الحسابات لا الشعارات

الجزائر دولة كبيرة، ولها وزنها في شمال إفريقيا والمنطقة العربية والإفريقية، ومن حقها أن تدافع عن مصالحها وسيادتها وأن ترد على ما تعتبره تدخلاً أو سلوكاً عدائياً.

لكن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على قطع العلاقات.

قوة الدولة تقاس أيضاً بقدرتها على إدارة الخلاف دون أن تجعل مصالح مواطنيها واقتصادها رهينة له.

وهنا تحديداً تكمن صعوبة القرار الجزائري.

فإذا كانت القيادة الجزائرية تملك من المعطيات ما يجعل القطيعة ضرورية لحماية الأمن القومي والمصالح العليا للبلاد، فعليها أن تكون قادرة على إقناع المواطن الجزائري بذلك.

أما إذا تحولت القطيعة إلى مجرد عنوان سياسي في حرب النفوذ الإقليمية، فإن السؤال سيبقى مطروحاً:

هل الجزائر تعاقب الإمارات… أم أنها تعاقب نفسها اقتصادياً وسياسياً؟

ثم هناك سؤال آخر أكثر إلحاحاً:

هل ستتأثر الجالية الجزائرية المقيمة في الإمارات بصراع لم تختره ولم تكن طرفاً فيه؟

إنها ليست أرقاماً في البيانات الدبلوماسية، بل مواطنون لهم أعمال وأسر ومستقبل ومصالح.

ومن هنا فإن المطلوب، قبل التصعيد، هو حماية هؤلاء المواطنين، وضمان حقوقهم، والحفاظ على قنوات الاتصال القنصلي والإنساني، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى أزمة اجتماعية.

وفي النهاية…

القطيعة الدبلوماسية يمكن إعلانها في بيان.

لكن إعادة بناء الثقة قد تحتاج إلى سنوات.

والاقتصاد لا يعرف العواطف، والاستثمار لا يفهم لغة الشعارات، والأسواق لا تنتظر البيانات السياسية.

لقد اختارت الجزائر اليوم لغة القطيعة مع أبوظبي؛ والسؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة ليس لماذا قطعت الجزائر علاقاتها فقط، بل ماذا ستفعل غداً لتقليل كلفة هذه القطيعة على اقتصادها ومواطنيها ومصالحها الاستراتيجية؟

ففي عالم اليوم، تستطيع الدول أن تختلف…

لكن الدول الذكية تعرف كيف تختلف دون أن تحرق الجسر الذي قد تحتاج إلى عبوره غداً.

بيتنا الآن — الخبر مقدس والتعليق حر

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد