أحياناً لا يحتاج الإعلام إلى إعلان موقف صريح حتى يكشف عن انحيازه؛ يكفي أن يختار الضيف الخطأ، وأن يضعه في المكان الخطأ، وأن يمنحه منبراً للحديث في قضية لا يملك فيها، بحسب ما يظهر للمشاهد، لا الصفة ولا الاختصاص ولا العلاقة التي تبرر تقديمه كصاحب رأي يُعتد به.
وهنا تحديداً تبدأ حكايتنا مع ما بثته قناتا «العربية» و«الحدث» بشأن أحداث سبتة المحتلة.
لنكن واضحين منذ البداية: المغرب لا يضع المملكة العربية السعودية في خانة الخصوم، ولن يفعل.
فالعلاقات المغربية السعودية أكبر بكثير من أن تختزلها حلقة تلفزيونية، أو يفسدها محلل، أو يعبث بها ضيف، أو تتأثر برواية إعلامية عابرة.
المغرب والسعودية بلدان شقيقان، وشعبان شقيقان، وقيادتان تجمعهما علاقات راسخة.
لكن الأخوة لا تعني الصمت.
والاحترام لا يعني أن نتوقف عن طرح الأسئلة.
بل إن السؤال اليوم مشروع، وضروري، ومستعجل:
من هذا الضيف الذي أُعطي حق الحديث عن المغرب وأحداث سبتة؟
ما صفته؟
ما علاقته بالمغرب؟
ما اختصاصه؟
وما موقعه الذي يؤهله لكي يقدم للمشاهد العربي قراءة في قضية حساسة بهذا الحجم؟
وهل كان اختياره بناء على معيار مهني صرف، أم أن هناك اعتبارات أخرى لا نعرفها؟
هذه ليست أسئلة عدائية.
هذه أسئلة صحفية بامتياز.
لقد عاتبنا طويلاً قناة الجزيرة، عندما كنا نعتقد أن بعض تغطياتها للشأن المغربي تنزلق إلى الانتقائية، وأن بعض ضيوفها لا يُستدعون لأنهم الأكثر اختصاصاً، وإنما لأنهم الأكثر قدرة على تقديم الرواية التي يريدها البرنامج.
وقلنا يومها: المشكلة ليست في أن تنتقد المغرب، فالاختلاف حق؛ المشكلة عندما يصبح اختيار الضيف نفسه جزءاً من صناعة الموقف.
واليوم، ونحن نرى ما نراه في بعض التغطيات، لا يسعنا إلا أن نسأل:
هل بدأت العدوى تنتقل؟
هل أصبح المغرب موضوعاً مفتوحاً أمام أشخاص لا نعرف ما هي صفتهم الحقيقية ولا ما هي علاقتهم بالملف الذي يتحدثون فيه؟
وهل أصبحت بعض المنابر العربية مستعدة لمنح مساحة واسعة لكل من يملك رواية تخدم اتجاهاً معيناً، ولو كانت على حساب الدقة والإنصاف؟
ثم هناك سؤال أكبر:
هل يعلم المسؤولون السعوديون بما يجري في بعض هذه البرامج؟
وهل يرضون بأن تتحول منابر إعلامية سعودية إلى مساحة يمكن أن تُستعمل، عن قصد أو غير قصد، لبناء صورة سلبية عن بلد تربطه بالمملكة العربية السعودية علاقات تاريخية واستراتيجية؟
لا نملك جواباً.
ولذلك لا نتهم.
لكننا نسأل.
والسؤال هنا ليس موجهاً إلى الشعب السعودي الشقيق، ولا إلى المملكة العربية السعودية، وإنما إلى من يتحمل مسؤولية الخط التحريري والمحتوى الإعلامي.
لأننا نرفض أن تتحول العلاقات المغربية السعودية إلى ضحية لسوء اختيار ضيف أو سوء تقدير تحريري.
كما نرفض أن يأتي يوم يجد فيه المواطن المغربي نفسه مضطراً إلى الدفاع عن بلده أمام منبر إعلامي تابع لدولة شقيقة.
هذه هي المفارقة التي تستحق التوقف عندها.
نحن نعرف أن هناك جهات ولوبيات إعلامية وسياسية لا تخفي خصومتها للمغرب.
نعرف أيضاً أن هناك من يحاول باستمرار نقل خلافاته السياسية إلى المجال الإعلامي، وصناعة رأي عام قائم على الانتقائية والتضليل والمعلومات المجتزأة.
لكن ما لا نريد تصديقه هو أن تجد هذه الجهات طريقها إلى منابر يفترض أن تكون أكثر حرصاً على العلاقات بين الشعوب والدول الشقيقة.
ولذلك نقولها بصراحة:
لا نريد من الإعلام السعودي أن يجامل المغرب.
ولا نطلب من «العربية» أو «الحدث» أن تتبنى الموقف المغربي.
نريد فقط شيئاً بسيطاً اسمه المهنية.
إذا كان هناك نقد للمغرب، فليكن.
إذا كان هناك رأي مخالف، فليُعرض.
إذا كانت هناك رواية إسبانية، فلتُناقش.
وإذا كانت هناك رواية مغربية، فلتُسمع.
لكن أن يُستدعى شخص لا يعرف المشاهد صفته ولا موقعه ولا علاقته بالموضوع، ثم يُقدم باعتباره صاحب رأي في قضية مغربية حساسة، فهنا يصبح من حقنا أن نتساءل:
من اختار هذا الضيف؟ ولماذا اختاره؟
وفي انتظار الجواب، سنظل نفرق بين أمرين:
المملكة العربية السعودية، التي نحترمها ونعتز بعلاقاتها مع المغرب، وبين بعض الاختيارات الإعلامية التي يحق لنا أن ننتقدها.
فالرياض ليست «العربية»، والعلاقات المغربية السعودية ليست برنامجاً تلفزيونياً، والشعب السعودي ليس ضيفاً في استوديو.
وإذا كان هناك من يحاول زرع سوء الفهم بين شعبين شقيقين، فنقول له:
لن تنجح.
فالعلاقات بين المغرب والسعودية أعمق من شاشة، وأقوى من حملة، وأكبر من لوبي، وأبقى من أي خلاف عابر.
لكننا، في «بيتنا الآن»، لن نتوقف عن طرح السؤال:
من يتحدث باسم من؟ ومن سمح لمن؟ ولماذا الآن؟
ولنا عودة إلى هذا الملف.
لأن بعض الأسئلة، عندما تُطرح، لا ينبغي أن تُدفن بالصمت.