حين يصبح رقم السيارة قضية، فالمشكلة ليست في الرقم… بل في الإدارة التي لم تحسم شكل الصفيحة!
قد يبدو الأمر لأول وهلة مجرد قرار تقني يتعلق بشكل وأبعاد صفيحة تسجيل السيارات، لكن المتأمل في خلفيات الخطوة التي أعلنت عنها الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية يدرك أنها أكبر من مجرد تغيير في معدن يوضع في مقدمة ومؤخرة السيارة.
إنها، ببساطة، محاولة لوضع حد لواحدة من المفارقات التي عاشها المواطن المغربي طويلاً: سيارة مغربية واحدة، ورقم تسجيل واحد، لكن قواعد مختلفة بحسب ما إذا كانت العجلات داخل المغرب أو عبرت الحدود!
وهنا يحق لنا أن نسأل بكل وضوح: لماذا احتاج الأمر إلى كل هذا الوقت حتى نصل إلى حل أكثر بساطة ومنطقاً؟
فالمواطن الذي يستعمل سيارته داخل المغرب هو نفسه المواطن الذي يقودها عندما يعبر الحدود. والسيارة التي تحمل رقماً مغربياً في الرباط أو فاس أو الدار البيضاء، لا تتحول عند عبورها الحدود إلى سيارة أخرى.
لذلك فإن توحيد شكل وأبعاد صفيحة التسجيل، بما يجعلها صالحة للاستعمال داخل التراب الوطني وخارجه، ينبغي أن يُقرأ باعتباره تصحيحاً إدارياً طال انتظاره، وليس مجرد إجراء شكلي.
لقد كان المواطن، وخصوصاً مغاربة العالم والأشخاص الذين يتنقلون باستمرار بين المغرب وأوروبا، يجد نفسه أحياناً أمام تعقيدات لا علاقة له بها: مواصفات مختلفة، ومتطلبات مرتبطة بالسير الدولي، واحتمال التعرض لملاحظات أو مخالفات بسبب شكل الصفيحة.
وهذا بالضبط ما يجب أن تتصدى له الإدارة الحديثة.
الإدارة ليست موجودة لتعقيد حياة المواطن، وإنما لتبسيطها.
ومن هنا فإننا في «بيتنا الآن» نعتبر هذه الخطوة إيجابية، لأنها تسير في الاتجاه الصحيح: توحيد القاعدة، إزالة الالتباس، وتقديم حل عملي لمشكلة كان المواطن في غنى عنها.
لكننا في الوقت نفسه نقولها بصراحة: القرار الجيد لا يكفي وحده.
فالمطلوب هو أن تواكب هذه الخطوة حملة تواصلية واضحة، تخبر المواطن بكل التفاصيل: ما هو الشكل النهائي المعتمد؟ متى يبدأ العمل به؟ هل تغيير الصفائح القديمة إجباري؟ ما هي الآجال؟ وما هي الإجراءات العملية للحصول على الصفيحة الجديدة؟
لا نريد أن يتحول قرار التوحيد نفسه إلى مصدر جديد للارتباك.
فالقاعدة الذهبية في أي إصلاح إداري هي أن يفهم المواطن القرار قبل أن يُطلب منه تطبيقه.
وإذا كانت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية قد اختارت اليوم طريق التوحيد، فإن الخطوة المقبلة يجب أن تكون التبسيط الكامل للمساطر المرتبطة بالتسجيل والصفائح والوثائق، حتى لا يبقى المواطن يتنقل بين النصوص والمصالح والإجراءات بحثاً عن جواب بسيط.
ثم إن هذه الخطوة تحمل رسالة أخرى لا ينبغي إغفالها: المغرب الذي يريد أن يجعل منظومته الطرقية أكثر انسجاماً مع المعايير الدولية، مطالب أيضاً بأن يجعل الإدارة المرتبطة بالسيارات أكثر وضوحاً وفعالية.
فالسلامة الطرقية لا تتعلق فقط بالرادار، والمخالفة، والسرعة، وحزام السلامة.
السلامة الطرقية تبدأ كذلك من وضوح هوية المركبة، وسلامة وثائقها، وسهولة التعرف عليها، وانسجام قواعد تسجيلها مع متطلبات التنقل الدولي.
ومن هذه الزاوية، فإن توحيد صفيحة التسجيل خطوة لها بعدها الإداري والقانوني والعملي، وقد تكون مثالاً صغيراً على فلسفة أكبر نحتاجها في الإدارة المغربية: كلما أمكن اختصار إجراء، فلنختصره؛ وكلما أمكن توحيد قاعدة، فلنوحدها؛ وكلما أمكن إزالة لبس عن المواطن، فلنزيله.
وفي «بيتنا الآن» نقولها بوضوح:
لا نريد إدارة تشرح للمواطن لماذا تعقدت الأمور، بل إدارة تعمل حتى لا تتعقد الأمور أصلاً.
والصفيحة الجديدة، مهما بدت صغيرة في حجمها، تحمل درساً كبيراً في الإدارة: المواطن لا يحتاج إلى عشرات الإجراءات حتى يحصل على حق بسيط؛ يحتاج إلى قاعدة واضحة، وإجراء مفهوم، وإدارة تستبق الإشكال قبل أن يتحول إلى معاناة.
إنها صفيحة واحدة في السيارة، نعم.
لكن خلفها يوجد سؤال أكبر:
متى تصبح كل الإجراءات الإدارية بسيطة بقدر بساطة الرقم الذي تحمله السيارة؟
وهذا هو التحدي الحقيقي.

