في تدبير شؤون الدولة، لا تقاس قوة المؤسسات بكثرة التوقيعات التي تحمل أسماء المسؤولين، ولا بعدد المكاتب التي تصدر عنها القرارات، وإنما بمدى وضوح الاختصاصات، ودقة المسؤوليات، وصرامة آليات المراقبة والمحاسبة.
ومن هذا المنطلق، يستحق قرار رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، تفويض مجموعة واسعة من الاختصاصات الإدارية والمالية إلى مدير الشؤون الإدارية والمالية، وقفة تأمل وقراءة متأنية، بالنظر إلى طبيعة الصلاحيات التي شملها هذا التفويض، والتي لا تقف عند حدود تدبير الملفات الإدارية والموارد البشرية، بل تمتد إلى عمليات مالية وتدبير اعتمادات وصفقات، فضلاً عن حسابات وصناديق مالية خصوصية.
إننا أمام خطوة إدارية تطرح سؤالاً جوهرياً حول فلسفة التدبير داخل رئاسة الحكومة: هل أصبح تفويض الاختصاصات مدخلاً لتسريع القرار الإداري، وتخفيف العبء عن رئيسة الحكومة، وتمكين المسؤولين الإداريين من هامش أوسع للتحرك؟ أم أن الأمر يستدعي، في المقابل، توضيحاً أكبر لحدود المسؤولية وآليات التتبع والمراقبة؟
إن التفويض في حد ذاته ليس عيباً في التدبير، بل هو مبدأ إداري معمول به في المؤسسات الحديثة، شريطة أن يكون مضبوطاً بالقانون، ومحدداً في موضوعه ومداه، وألا يتحول إلى وسيلة لتذويب المسؤولية أو إبعاد صاحب القرار عن واجب المساءلة.
لكن ما يستوقفنا في هذه الحالة هو ارتباط بعض الاختصاصات المفوضة بتدبير اعتمادات مالية وصناديق خصوصية، وهي أموال عمومية تستوجب أعلى درجات الشفافية والوضوح، بالنظر إلى طبيعة الموارد التي تتصرف فيها والغايات التي أحدثت من أجلها.
وهنا نؤكد أن الصناديق المالية ليست مجرد حسابات تقنية، ولا الاعتمادات المرصودة مجرد أرقام في وثائق الميزانية؛ إنها أدوات لتنفيذ السياسات العمومية وتمويل البرامج والمشاريع، وينبغي أن يظل تدبيرها خاضعاً للقواعد القانونية والرقابة المالية والمؤسساتية.
إن الرأي العام لا يعترض على تفويض الصلاحيات، ولا على تمكين الإدارة من الكفاءات التي تضمن استمرارية المرفق العمومي ونجاعة أدائه، لكنه من حقه أن يعرف كيف توزع المسؤوليات، وما هي حدود التفويض، وكيف تتم مراقبة القرارات المالية، ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع أي اختلال.
وفي هذا السياق، فإن رئيسة الحكومة، وهي تمارس صلاحياتها في تنظيم العمل الإداري داخل مصالحها، مطالبة بأن تجعل من التفويض مدخلاً لتقوية الحكامة، لا مجرد إعادة توزيع للتوقيعات والاختصاصات.
فالمسؤولية السياسية والإدارية لا ينبغي أن تضيع وسط تعدد المفوض إليهم، كما أن التوقيع على النفقات والصفقات يجب أن يظل محكوماً بالشفافية والمشروعية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
بيتنا الآن لا تناقش الأشخاص، وإنما تناقش القرارات والاختيارات المؤسساتية وآثارها على تدبير الشأن العام. ومن هذا المنطلق، نعتبر أن نجاح هذه التفويضات لن يقاس بعدد الصلاحيات التي انتقلت من مستوى إلى آخر، بل بما ستسفر عنه من نجاعة إدارية، وحسن تدبير للمال العام، وسرعة في إنجاز البرامج، واحترام تام للقانون.
فالمال العام أمانة، والتفويض مسؤولية، والمحاسبة ليست اختياراً إدارياً، بل قاعدة دستورية ومؤسساتية لا تستثني أحداً.
والسؤال الذي يظل مطروحاً: هل ستواكب هذه الصلاحيات الواسعة آليات بنفس القوة والوضوح في المراقبة والتتبع والمحاسبة؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي لحكامة رئاسة الحكومة.