المغرب ليس شماعة إسبانيا الانتخابية… كفى ابتزازاً سياسياً!

!

آن الأوان لأن يُقال الكلام كما هو، بلا دبلوماسية زائدة، وبلا مجاملات سياسية، وبلا محاولة لتجميل ما لا يحتاج إلى تجميل.

المغرب ليس شماعة تُعلَّق عليها إخفاقات السياسة الإسبانية، وليس كبش فداء كلما أراد حزب سياسي في إسبانيا أن يرفع رصيده الانتخابي، وليس صندوق بريد تُرسل إليه الاتهامات كلما عجزت بعض الجهات عن تفسير ما يقع داخل الأراضي الإسبانية.

هذا هو جوهر البلاغ الصادر اليوم عن وزارة الشؤون الخارجية المغربية بشأن التطورات المرتبطة بأحداث سبتة.

الرسالة المغربية كانت واضحة: الشراكة مع إسبانيا نعم، التعاون نعم، حسن الجوار نعم، لكن تحويل المغرب إلى ورقة في الصراع السياسي الداخلي الإسباني مرفوض جملة وتفصيلاً.

والمفارقة أن الاتهامات التي وُجهت إلى المغرب جاءت في الوقت الذي كشفت فيه الوثائق الإسبانية التي أُفرج عنها حديثاً أن أجهزة الاستخبارات والأمن الإسبانية كانت قد حذرت من احتمال وقوع عبور جماعي، وأن المعطيات المتاحة لا تثبت تورط السلطات المغربية في تنظيم أو تدبير ما حدث.

فلماذا إذن يستمر البعض في النفخ في رماد الاتهامات؟

ولماذا يُصر بعض السياسيين والإعلاميين على تقديم المغرب باعتباره المسؤول الجاهز عن كل أزمة تقع في سبتة؟

هل أصبحت كلمة المغرب هي الجواب السهل عن كل سؤال صعب في السياسة الإسبانية؟

إذا كانت هناك أخطاء في التدبير الإسباني، فليتم التحقيق فيها.

وإذا كانت هناك مسؤوليات داخلية، فليتحملها أصحابها.

وإذا كانت هناك ثغرات أمنية، فلتُفتح الملفات أمام المؤسسات المختصة.

أما أن يتم تصدير الأزمة إلى المغرب، فهذا ليس تحقيقاً للحقيقة، وإنما هروب منها.

المغرب تعاون… ولم يتخل عن إسبانيا

المفارقة الأكبر أن المغرب وإسبانيا راكما خلال السنوات الأخيرة مستوى غير مسبوق من التعاون الأمني والاقتصادي وفي مجال الهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

ومنذ الإعلان المشترك لسنة 2022، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة قائمة على الحوار والثقة والمصالح المشتركة.

فكيف يستقيم أن يكون المغرب شريكاً موثوقاً عندما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب وتفكيك الشبكات الإجرامية والهجرة غير النظامية، ثم يتحول فجأة إلى متهم عندما تقع أزمة سياسية أو أمنية؟

الشراكة لا يمكن أن تكون انتقائية.

لا يمكن لإسبانيا أن تريد المغرب شريكاً عندما تحتاجه، ثم تجعله متَّهماً عندما تحتاج بعض الأحزاب الإسبانية إلى مادة انتخابية.

وهنا تحديداً يجب أن تكون الرسالة المغربية حازمة.

المغرب لن يكون «دركياً» لإسبانيا

المغرب يتعاون مع إسبانيا في مجال الهجرة، نعم.

ويتعاون في حماية الأرواح، نعم.

ويتعاون في تفكيك شبكات الاتجار بالبشر والمخدرات والإرهاب، نعم.

لكن التعاون شيء، وتحويل المغرب إلى دركي دائم للحدود الإسبانية شيء آخر.

المغرب دولة ذات سيادة.

وله مصالحه وحساباته الوطنية.

وإذا كانت مدريد تريد شريكاً استراتيجياً، فعليها أن تتعامل مع الرباط باعتبارها شريكاً، لا باعتبارها طرفاً تابعاً يُطلب منه أن يتحمل وحده فاتورة الأزمات الأوروبية والإسبانية.

والسؤال الذي يجب أن يطرح في مدريد…

إذا كانت هناك اتهامات للمغرب، فأين الأدلة؟

أين الوقائع؟

أين التقارير التي تثبت أن السلطات المغربية خططت أو دبرت أو شاركت في ما وقع؟

فالبلاغ المغربي طرح السؤال بوضوح: لماذا تستمر الاتهامات عندما لا توجد معطيات أو تقارير تثبت مسؤولية السلطات المغربية؟

وهنا نقول نحن في «بيتنا الآن»:

السياسة ليست محكمة شعبية، والإعلام ليس بديلاً عن التحقيق، والانتخابات ليست مبرراً لتصفية الحسابات مع الدول.

من يريد الحقيقة فليبحث عنها.

ومن يريد المسؤولين فليحددهم بالأدلة.

أما أن يصبح المغرب «المتهم الأبدي»، فهذا أمر لم يعد مقبولاً.

لا نريد قطيعة مع إسبانيا… لكننا نريد الاحترام

المغرب لا يبحث عن أزمة مع إسبانيا.

ولا يريد قطع العلاقات.

ولا يريد نسف الشراكة.

بل على العكس، إن قوة البلاغ المغربي تكمن في أنه، رغم لهجته الحازمة، لم يغلق باب الحوار.

وهذا هو الفرق بين الدولة التي تعرف ماذا تريد والدولة التي تتحرك بردود الأفعال.

المغرب يقول لإسبانيا ببساطة:

نحن جيران، وسنبقى جيراناً.

مصالحنا مشتركة.

اقتصاداتنا متداخلة.

وشعوبنا مرتبطة بعلاقات إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة.

لكن الجوار لا يعني التبعية.

والشراكة لا تعني الصمت.

والصداقة لا تعني قبول الاتهام دون دليل.

إلى الأحزاب الإسبانية: ابحثوا عن أصواتكم بعيداً عن المغرب

وإذا كان بعض السياسيين الإسبان يبحثون عن طريق سهل للوصول إلى الناخب الإسباني، فنقول لهم:

ابحثوا عن أصواتكم داخل إسبانيا، لا فوق التراب المغربي.

عالجوا مشاكل الاقتصاد.

والهجرة.

والسكن.

والصحة.

والأمن.

والبطالة.

والتدبير السياسي.

أما المغرب، فلا ينبغي أن يتحول إلى مادة انتخابية جاهزة في كل موسم سياسي.

لقد آن الأوان لأن تتوقف لعبة «المغرب شماعة».

فالمغرب ليس مسؤولاً عن كل ما يحدث في إسبانيا.

والمغرب لن يسمح بأن يصبح ورقة في الحسابات الانتخابية للأحزاب الإسبانية.

كلمة أخيرة

إن البلاغ المغربي اليوم ليس إعلان حرب على إسبانيا، وإنما هو إعلان نهاية لسياسة الصمت عندما يتعلق الأمر بالاتهامات المجانية.

المغرب يريد علاقات قوية مع إسبانيا، لكنه يريدها علاقات بين دولتين جارتين تحترم كل منهما الأخرى.

يريد التعاون، ولكن على قاعدة الندية.

يريد الحوار، ولكن بعيداً عن الابتزاز.

يريد الشراكة، ولكن بعيداً عن المزايدات الانتخابية.

ولهذا نقولها من «بيتنا الآن» بكل وضوح:

إسبانيا والمغرب أكبر من حسابات حزب، وأكبر من خطاب انتخابي، وأكبر من مزايدات عابرة.

أما من يريد أن يجعل من المغرب شماعة سياسية، فليبحث عن شماعة أخرى.

فالمغرب ليس شماعة إسبانيا… وليس كبش فداء لانتخاباتها وصراعاتها الداخلية

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد