في كل مرة تنشب مواجهة بين مواطن ورجل سلطة، لا ينبغي أن تتحول الواقعة، بمجرد رواية من طرف واحد، إلى محاكمة إعلامية تضع رجل السلطة في قفص الاتهام، أو تجعل المواطن في موقع الضحية المطلقة.
ما جرى، حسب ما نُقل، داخل الملحقة الإدارية «النسيم» بحي الرحمة بعمالة سلا، يحتاج إلى التحقيق والاستماع إلى الطرفين، لا إلى إطلاق الأحكام الجاهزة.
المواطن يقول إن القائد تلفظ أمامه بعبارة مفادها أنه «هو الدولة»، وإنه قام بتمزيق وثيقة سلمها له عون سلطة، كما تحدث عن عبارات ومواقف اعتبرها مسيئة له. وفي المقابل، فإن الرواية نفسها تتضمن أن المواطن خاطب القائد بعبارة من قبيل «ماتغوتش علي»، فضلاً عن كلام قيل إنه صدر في خضم احتدام النقاش بين الطرفين.
وهنا نقولها بوضوح: رجل السلطة ليس فوق المواطن، لكن المواطن أيضاً ليس فوق رجل السلطة ولا فوق القانون.
إذا ثبت أن القائد تجاوز حدود اختصاصه أو أساء استعمال سلطته أو أهان المواطن، فذلك أمر خطير لا ينبغي التساهل معه، ويجب أن يتحمل كل مسؤول مسؤوليته. لكن إثبات ذلك لا يكون بالصراخ، ولا بتقديم رواية أحادية الجانب، ولا بتحويل وسائل الإعلام إلى محكمة.
وفي المقابل، إذا كان المواطن قد شعر فعلاً بأنه تعرض لتجاوز من رجل السلطة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم يوثق الواقعة بالوسائل القانونية المتاحة؟
كان بإمكانه، إذا كان الأمر يتعلق برفض تسليم وثيقة أو الامتناع عن الاستجابة لطلب إداري، أن يستعين بمفوض قضائي لتحرير محضر معاينة أو إثبات واقعة، وأن يتقدم بشكايته إلى عامل عمالة سلا، ثم يسلك، عند الاقتضاء، طريق القضاء الإداري، حيث توجد المؤسسات والآليات القانونية الكفيلة بحماية حقوقه ومساءلة الإدارة إذا ثبت تجاوزها.
أما أن يتحول الخلاف الإداري إلى معركة شخصية، ثم تُرمى اتهامات في حق رجل سلطة عبر الإعلام دون تقديم الدليل، فذلك لا يخدم لا المواطن ولا الإدارة ولا هيبة القانون.
«بيتنا الآن» لا تدافع عن رجل السلطة لمجرد أنه رجل سلطة، ولا تنحاز إلى المواطن لمجرد أنه مواطن. نحن ندافع عن الحقيقة، والحقيقة لا تُستخرج بالصوت المرتفع، وإنما بالدليل.
ولهذا فإن رسالتنا إلى عامل عمالة سلا واضحة: استمعوا إلى الطرفين. استمعوا إلى المواطن، واستمعوا إلى القائد، واستمعوا إلى عون السلطة الذي قيل إنه كان طرفاً في الواقعة أو شاهداً على بدايتها، وافتحوا تحقيقاً إدارياً إذا كانت هناك عناصر تستدعي ذلك.
فإذا ثبت أن القائد قال ما نُسب إليه أو مزق وثيقة دون سند قانوني أو استعمل سلطته خارج حدودها، فليتحمل مسؤوليته كاملة.
وإذا تبين أن رواية المواطن غير دقيقة، وأن الأمر لم يتجاوز خلافاً حول مسطرة إدارية أو رفضاً لطلب غير مستوفٍ للشروط القانونية، فليكن ذلك واضحاً أيضاً، حتى لا تتحول سمعة رجال السلطة إلى مادة سهلة للقذف والتشهير كلما لم يستجيبوا لطلب مواطن.
والأخطر من ذلك كله هو أن يختلط على البعض معنى السلطة.
القائد ليس «الدولة» بالمعنى الشخصي للكلمة؛ الدولة أكبر من الأشخاص، والقائد موظف عمومي يمارس اختصاصات حددها القانون. لكن في الوقت نفسه، المواطن ليس في مواجهة شخص القائد، وإنما في مواجهة إدارة لها مساطر واختصاصات وقرارات قابلة للطعن والتظلم.
وهذه هي النقطة التي يبدو أن البعض ينسى استحضارها: إذا اختلفت مع رجل السلطة، لا تدخل معه في حرب كلامية؛ أدخل معه في حرب قانونية، إن كنت صاحب حق.
اطلب القرار مكتوباً.
اطلب السند القانوني.
وثّق الواقعة.
استعن بمفوض قضائي عند الاقتضاء.
توجه إلى السلطة الإدارية الأعلى.
ثم اطرق باب القضاء.
هناك فقط تظهر قوة المواطن الحقيقية.
أما أن يتحول «ماتغوتش علي» إلى معركة، ويتحول رد فعل رجل السلطة إلى اتهام جاهز، ثم تُنقل القصة إلى الإعلام قبل أن تُعرض على الجهة الإدارية المختصة، فهذه ليست دولة المؤسسات التي نريدها.
«بيتنا الآن» تقولها دون مواربة: لا حصانة لرجل سلطة إذا أخطأ، ولا حصانة لمواطن إذا تجاوز حدود القانون.
فالسلطة مسؤولية، والمواطنة مسؤولية، والإعلام مسؤولية أكبر.
ومن أراد أن يتهم رجل سلطة باستعمال الشطط أو إساءة استعمال السلطة، فليأتِ بالدليل.
لأن زمن «قال لي وقال له» يجب أن ينتهي.
في دولة المؤسسات، لا يحكم بين المواطن ورجل السلطة ارتفاع الصوت… وإنما يحكم القانون والدليل.