افتتاحية “بيتنا الآن” الحراسة الخاصة… مهلة أخيرة لإنصاف الشغيلة أم فرصة جديدة للالتفاف على القانون؟

ليس من قبيل المصادفة أن يختار المشرع منح شركات الحراسة الخاصة مهلة تسعة أشهر لتسوية أوضاعها مع مقتضيات القانون رقم 32.26 المتمم للمادة 193 من مدونة الشغل. فالرسالة واضحة: هناك أوضاع تستوجب التصحيح، وهناك حقوق يجب أن تصبح واقعا لا مجرد نصوص قانونية.
لكن التجربة علمتنا أن القوانين، مهما بلغت جودتها، لا تغير الواقع إذا غاب التطبيق الصارم. ولذلك فإن الرهان اليوم لم يعد تشريعيا، بل أصبح رهانا مؤسساتيا ورقابيا.
قطاع الحراسة الخاصة يشغل عشرات الآلاف من المغاربة، ويؤدي أدوارا أساسية داخل الإدارات العمومية والمستشفيات والجامعات والمحاكم والجماعات الترابية والأبناك والمقاولات. ومع ذلك، ظل جزء من العاملين بهذا القطاع يشتكون من أوضاع مهنية صعبة، تتعلق بالاستقرار الوظيفي، وساعات العمل، والأجور، والحماية الاجتماعية، واحترام مقتضيات مدونة الشغل.
واليوم، وبعد نشر القانون الجديد، لم يعد مقبولا أن تستمر أي شركة في اعتبار حقوق الأجراء مجرد كلفة إضافية يمكن التحايل عليها. فالمنافسة الحقيقية لا تقوم على تخفيض حقوق العمال، وإنما على جودة الخدمات والكفاءة واحترام القانون.
ومن جهة أخرى، فإن الجهات العمومية التي تبرم صفقات الحراسة تتحمل بدورها مسؤولية كبيرة. فلا يكفي اختيار العرض الأقل ثمنا إذا كان ذلك يتم على حساب حقوق المستخدمين. إن المال العام يجب أن يكون رافعة لترسيخ العمل اللائق، لا وسيلة لإدامة الهشاشة.
وتبقى مفتشية الشغل مطالبة بجعل الأشهر التسعة المقبلة مرحلة للمواكبة والمراقبة، حتى لا تتحول المهلة إلى محطة جديدة للتسويف. فنجاح القانون سيقاس بعدد الأجراء الذين تمت تسوية أوضاعهم، لا بعدد الاجتماعات أو البلاغات.
إن “بيتنا الآن” تعتبر أن احترام كرامة العامل ليس خيارا اقتصاديا، بل واجب قانوني وأخلاقي. والمقاولات المواطنة هي التي تدرك أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة.
لقد منح القانون فرصة أخيرة لتصحيح المسار. وبعد انتهاء المهلة، ينبغي أن يكون الجميع أمام مسؤولياته، وأن تطبق المقتضيات القانونية على كل من يثبت إخلاله بها، حماية لهيبة القانون، وصونا لحقوق الشغيلة، وترسيخا لدولة المؤسسات.
فلا تنمية بلا عدالة اجتماعية، ولا اقتصاد قوي بأجراء يعيشون في الهشاشة، ولا احترام للقانون إذا بقيت النصوص أقوى على الورق منها في الواقع.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا