نزار بركة وصقور الاستقلال.. حين تُدفن الكفاءات تحت أنقاض الولاءات الحزبية!

نزار بركة وصقور الاستقلال.. حين تُدفن الكفاءات تحت أنقاض الولاءات الحزبية!

هل عجز حزب علال الفاسي عن إنجاب وزراء جدد؟ أم أن صقور الميزان أقوى من إرادة التجديد؟

بقلم: هيئة تحرير جريدة «بيتنا الآن»

 

إذا كانت الحكومة السياسية التي دعا جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى الارتقاء بأدائها وانتظاراتها، تقتضي ضخ دماء جديدة في مؤسسات الدولة، والاستعانة بكفاءات قادرة على مواجهة تحديات المرحلة، فإن اللائحة المتداولة للاستوزار داخل حزب الاستقلال تثير أكثر من علامة استفهام، وتضع الأمين العام نزار بركة أمام امتحان سياسي حقيقي: هل يقود عملية تجديد حزبه، أم يكتفي بإرضاء صقوره وإعادة تدوير الوجوه نفسها؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب حزباً عريقاً كحزب الاستقلال ليس نقص الكفاءات، بل إقصاؤها لحسابات الترضيات والتوازنات الداخلية. فكيف لحزب راكم عقوداً من التجربة السياسية والنضالية، ويفترض أنه يزخر بالمهندسين والدكاترة والخبراء ورجال الأعمال والسياسيين المحنكين، أن يظل أسير دائرة محدودة من الأسماء، وكأن أبواب الاستوزار لا تُفتح إلا لمن سبق لهم الجلوس حول الطاولة الحكومية؟

إن إعادة طرح أسماء سبق لها تحمل المسؤولية الوزارية دون أن تترك النتائج المنتظرة، أو أسماء لم تثبت بعد قدرتها على تدبير قطاعات حساسة، ومنها الدبلوماسية ، تفرض على قيادة الحزب أن تجيب عن سؤال جوهري: هل الاستوزار مكافأة على الولاء التنظيمي، أم مسؤولية تُمنح على أساس الكفاءة والإنجاز والقدرة على خدمة المواطنين؟

ولا يتعلق الأمر بتصفية حسابات مع أشخاص بعينهم، بل بمساءلة سياسية مشروعة عن معايير الاختيار، وعن الجدوى من إعادة إنتاج التجارب نفسها في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى نفس جديد، ورؤية مختلفة، ووجوه قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية.

ولماذا تتكرر أسماء من قبيل عبد الصمد قيوح وحسن عبد الخالق وعمر حجيرة في النقاش حول الاستوزار، وكأن حزب الاستقلال لا يتوفر على بدائل أخرى؟ أليس في صفوفه من الكفاءات العلمية والهندسية والاقتصادية والقانونية ما يكفي لتشكيل فريق حكومي متجدد؟ وأين موقع الأطر التي راكمت خبرات مهنية وسياسية حقيقية، لكنها تجد نفسها دائماً في الصفوف الخلفية، بينما تتقدم الأسماء ذاتها إلى الواجهة؟

السؤال الذي ينبغي أن يؤرق نزار بركة ليس: كيف نرضي صقور الحزب؟ بل: كيف نعيد الاعتبار لكفاءاته؟

فالأمين العام الذي يتولى قيادة حزب بحجم الاستقلال لا يُنتظر منه أن يكون مجرد وسيط بين مراكز النفوذ الداخلي، ولا أن يجعل حسابات إرضاء الأسماء النافذة تتقدم على مصلحة الحزب والوطن. المطلوب منه أن يتحلى بالشجاعة السياسية الكافية لفتح الأبواب أمام الطاقات الجديدة، وأن يضع حداً لمنطق احتكار المناصب، وأن يؤكد أن لا أحد أكبر من الحزب، ولا أحد يملك حقاً مكتسباً في حقيبة وزارية.

أما البرلماني الذي نال ثقة الناخبين، فإن مسؤوليته الأولى تظل تجاه المواطنين الذين وضعوا أصواتهم في صناديق الاقتراع، لا تجاه سباق محموم نحو الكراسي الحكومية. فالعمل البرلماني ليس محطة انتظار للاستوزار، والتمثيلية الانتخابية ليست مجرد جسر للعبور إلى الوزارة. ومن حق الرأي العام أن يسائل كل منتخب عن حصيلته قبل أن يسائله عن طموحه الوزاري.

وإذا كانت بعض الوجوه قد استنفدت رصيدها السياسي أو لم تعد قادرة على تقديم الإضافة المطلوبة، فإن الاعتراف بذلك ليس انتقاصاً من تاريخها، بل احترام لمبدأ التداول على المسؤولية. فالتقاعد السياسي ليس عيباً، والتجديد ليس عقاباً، وإنما هما من شروط الحياة الديمقراطية السليمة.

إن حزب الاستقلال، الذي يحمل إرثاً وطنياً وتاريخياً كبيراً، ليس ملكاً لصقوره، ولا ضيعة مغلقة في وجه كفاءاته الشابة، ولا نادياً خاصاً تتوارث فيه الأسماء مواقع القرار. إنه حزب يفترض أن تكون أبوابه مفتوحة أمام كل من يستطيع تقديم الإضافة، وأن تكون معايير الاستوزار فيه واضحة، قائمة على الكفاءة والنزاهة والتجربة والقدرة على الإنجاز.

نزار بركة أمام لحظة الحقيقة: إما أن ينتصر لمنطق الكفاءة وتجديد النخب، وإما أن يترك الانطباع بأن صقور الحزب ما زالوا يرسمون الحدود، وأن الأمين العام لا يملك سوى تزكية ما تقرره موازين القوى الداخلية.

وفي نهاية المطاف، لن يحاسب التاريخ حزب الاستقلال على عدد الحقائب التي حصل عليها، ولا على الأسماء التي نجحت في العودة إلى الحكومة، بل على نوعية الرجال والنساء الذين قدمهم لخدمة الوطن، وعلى ما إذا كان قد اختار الأكفأ أم اكتفى بإرضاء الأقوى.

أما «بيتنا الآن»، وفاءً لخطها التحريري القائم على أن الخبر مقدس والتعليق حر، فتؤكد أن احترام التاريخ لا يعني تقديس الوجوه، وأن الوفاء لحزب الاستقلال لا يكون بالتستر على اختلالاته، بل بمطالبته بالتجديد والإصلاح.

فهل يملك نزار بركة شجاعة تحرير حزب الاستقلال من قبضة منطق الامتيازات، أم أن صقور الميزان سيظلون أقوى من الكفاءات، وأعلى صوتاً من مصلحة الوطن؟

شاهد أيضا

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد