عين عتيق وعين عودة بين الانفجار الديمغرافي وتحديات الأمن الحضري: هل حان وقت إحداث مفوضيتي شرطة؟

تشهد الجماعتان الترابيتان عين عتيق وعين عودة، التابعتان لعمالة الصخيرات–تمارة، تحولات ديمغرافية وعمرانية متسارعة خلال السنوات الأخيرة، جعلتهما تنتقلان من فضاءين شبه قرويين إلى قطبين حضريين صاعدين يعيشان على إيقاع زحف عمراني مكثف ونمو سكاني متواصل. غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من دينامية اقتصادية واجتماعية، يطرح تحديات أمنية وتنظيمية ملحّة تستوجب قراءة نقدية مسؤولة.

انفجار ديمغرافي وزحف عمراني غير مسبوق

لم تعد عين عتيق وعين عودة مجرد امتدادين جغرافيين لمدينتي الرباط وتمارة، بل أصبحتا مجالين جاذبين للاستثمار العقاري والسكن الاجتماعي والمتوسط، بفعل الأسعار التنافسية والقرب من العاصمة. هذا النمو المتسارع، وإن كان يعكس حركية تنموية، إلا أنه لم يُواكَب دائماً بالوتيرة نفسها على مستوى البنيات التحتية والخدمات العمومية، خاصة في الجانب الأمني.

تضاعف الأحياء السكنية، واتساع المدار الحضري، وارتفاع الكثافة السكانية، كلها عوامل تجعل من المقاربة الأمنية التقليدية القائمة أساساً على تدخلات الدرك الملكي غير كافية لمواكبة التحولات الجارية. فالمجال لم يعد قروياً صرفاً، بل أصبح حضرياً بامتياز، بما يفرض آليات تدبير أمني مختلفة.

ضغط متزايد على الدرك الملكي

من الناحية الواقعية، يتحمل الدرك الملكي عبئاً كبيراً في تأمين هاتين الجماعتين، سواء من حيث محاربة الجريمة، أو التدخل في القضايا المرتبطة بالاتجار في الممنوعات، أو معالجة الشكايات اليومية للمواطنين. غير أن اتساع المجال الترابي وكثرة التجمعات السكنية الجديدة يطرح سؤال النجاعة والسرعة في التدخل، ويجعل من الضغط على العناصر الميدانية أمراً لا يمكن تجاهله.

إن الحديث عن ارتفاع بعض مظاهر الجريمة، كالسرقات أو بعض الأنشطة غير القانونية، لا ينبغي أن يُفهم في إطار التهويل، بل في سياق قراءة موضوعية لمعادلة بسيطة: كلما توسع المجال الحضري وارتفع عدد السكان، تعقدت التحديات الأمنية، ما لم تتم مواكبة ذلك بإعادة هيكلة للمنظومة الأمنية.

هل حان وقت إحداث مفوضيتين للشرطة؟

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم: أليس من المنطقي التفكير في إحداث مفوضيتي شرطة بعين عتيق وعين عودة؟

من الناحية القانونية والمؤسساتية، فإن التحول من تغطية دركية إلى تغطية شرطية يرتبط أساساً بطبيعة المجال (قروي/حضري) وبالكثافة السكانية. وإذا كانت المؤشرات الحالية تؤكد أن الجماعتين تسيران بخطى ثابتة نحو التحول الحضري الكامل، فإن إحداث مفوضيات للشرطة من شأنه:

تخفيف الضغط عن مصالح الدرك الملكي.

تعزيز القرب الأمني من المواطنين.

تسريع وتيرة التدخل في القضايا اليومية.

دعم الإحساس بالأمن لدى الساكنة.

مواكبة التحول العمراني والإداري الذي تعرفه المنطقة.

كما أن وجود جهاز أمني حضري دائم سيساهم في ضبط المجال العام، وتنظيم السير والجولان، وتعزيز المراقبة الوقائية، وهي مهام تتناسب أكثر مع طبيعة المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

بين المقاربة الأمنية والرؤية التنموية

غير أن المطالبة بإحداث مفوضيات شرطة لا ينبغي أن تُختزل في البعد الأمني فقط، بل يجب أن تندرج ضمن رؤية شمولية تشمل:

تعزيز الإنارة العمومية والتجهيزات الحضرية.

خلق فضاءات للشباب والأنشطة الثقافية والرياضية.

مراقبة التوسع العمراني وضبط جودته.

دعم التنسيق بين السلطات المحلية والمنتخبين والمجتمع المدني.

فالأمن ليس فقط حضوراً أمنياً، بل هو أيضاً نتاج توازن اجتماعي وتنموي.

إن ما تعيشه عين عتيق وعين عودة ليس استثناءً، بل هو نموذج لتحولات عمرانية تعرفها عدة ضواحي مغربية. غير أن خصوصية الموقع والقرب من العاصمة، إلى جانب الوتيرة المتسارعة للنمو السكاني، تجعل من إعادة النظر في البنية الأمنية أمراً مشروعاً بل وضرورياً.

لقد آن الأوان لفتح نقاش عمومي هادئ ومسؤول حول مستقبل الأمن المحلي بهاتين الجماعتين، بعيداً عن المزايدات، وفي إطار شراكة مؤسساتية هدفها الأول والأخير هو صون أمن المواطن وضمان استقرار المجال.

فالتنمية الحقيقية لا تكتمل إلا بأمن مستدام، والأمن المستدام يحتاج إلى تخطيط استباقي لا ينتظر تفاقم الإشكالات حتى يتحرك.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد