لم تعد معاناة ساكنة مدينة جرسيف تقتصر على الطرق المهترئة والحفر المنتشرة في مختلف الأحياء والشوارع، ولا على مشاهد الأزبال والنفايات التي أصبحت جزءا من المشهد اليومي للمدينة، بل تجاوزت ذلك إلى مخاطر حقيقية تهدد أرواح المواطنين وتعرض سلامتهم الجسدية للخطر في كل لحظة.
ولعل أخطر هذه الظواهر التي أصبحت تؤرق ساكنة حي النكد والأحياء المجاورة، ظاهرة العربات المعروفة محليا بـ”الخاطفة” أو “المقاتلات”، وهي وسائل نقل عشوائية تشتغل باستعمال غاز البوطان في ظروف تفتقر إلى أبسط شروط السلامة والأمان، وتحمل في كثير من الأحيان أعدادا من الركاب تفوق طاقتها الاستيعابية، حيث يتم حشر أكثر من ثمانية ركاب داخلها، قبل أن تنطلق بسرعة جنونية على طول شارع عبد الكريم الخطابي، مرورا بالقرب من المستشفى الإقليمي ومدرسة الفيلالي الخاصة ومعمل النسيج، وصولا إلى اتجاه حرشة كمبير.
وإذا كانت مصالح الأمن الوطني، وخاصة فرقة السير والجولان وفرقة الدراجين، تقوم بمجهودات يومية مشكورة لمحاربة هذه الظاهرة، تحت التتبع المباشر والشخصي لرئيس المنطقة الأمنية، فإن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى غير كافية في غياب تدخل باقي المتدخلين والمؤسسات المعنية. فالأمن الوطني يؤدي واجبه كاملا في حدود اختصاصاته القانونية، لكن محاربة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شمولية تشارك فيها جميع السلطات والمؤسسات المنتخبة والإدارية.

لقد سبق لساكنة المنطقة ولعدد من الفعاليات الإعلامية والمدنية أن دقت ناقوس الخطر، وطالبت بوضع مطبات للتخفيف من السرعة المفرطة على طول شارع عبد الكريم الخطابي إلى حدود ملتقى الطريق المؤدية إلى حرشة كمبير قرب مقر جماعة هوارة أولاد رحو، باعتبارها من الحلول العملية المستعجلة للحد من تهور بعض السائقين وحماية الراجلين والتلاميذ والمرضى ومستعملي الطريق. غير أن هذه النداءات ظلت، للأسف، دون آذان صاغية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين السلطات المحلية والإقليمية مما يجري؟ وأين دور الجماعة الترابية في صيانة الطرق وتنظيم السير والجولان داخل المدار الحضري؟ وكيف يعقل أن تستمر هذه المخاطر بشكل يومي دون اتخاذ إجراءات استباقية قبل وقوع الفاجعة؟
إن الساكنة تتساءل اليوم عن أسباب هذا الصمت المريب، في وقت يبدو فيه عامل الإقليم بعيدا عن الانشغالات اليومية للمواطنين، فيما لم يسجل أي تحرك ميداني جدي من طرف السلطات المختصة للوقوف على حجم الخطر الذي يتهدد المواطنين بهذا الشارع الحيوي. كما أن المجلس الجماعي مطالب بالخروج من دائرة الصمت والانكباب على معالجة المشاكل الحقيقية التي تؤرق الساكنة بدل الاكتفاء بتدبير الشأن المحلي من وراء المكاتب.
إن المسؤولية السياسية والإدارية والأخلاقية تقتضي التحرك العاجل قبل فوات الأوان، لأن انتظار وقوع كارثة مرورية أو انفجار إحدى هذه العربات المشتغلة بقنينات الغاز، لا قدر الله، ثم البحث بعد ذلك عن المسؤوليات، لن يعيد الضحايا إلى أسرهم ولن يمحو آثار التقصير.
جرسيف اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الوعود أو الشعارات، بل تحتاج إلى قرارات ميدانية عاجلة، وإلى إصلاح الطرق، وتنظيف الأحياء، ووضع مطبات وعلامات التشوير، وتشديد المراقبة على وسائل النقل العشوائي، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالساكنة قامت بواجبها حين رفعت الشكايات والعرائض ونبهت إلى الخطر، والإعلام قام بدوره حين نقل الانشغال ولفت الانتباه إلى حجم المعاناة، والأمن الوطني يقوم بواجبه اليومي في الميدان. أما الكرة الآن فهي في ملعب السلطات الإقليمية والمحلية والجماعة الترابية، التي ستكون مطالبة أمام الرأي العام بتحمل مسؤولياتها كاملة قبل أن تتحول التحذيرات المتكررة إلى مأساة كان بالإمكان تفاديها.