رأي في حدث
بقلم: حسن الخلقي
تتناول بعض الجرائد الإلكترونية، في الآونة الأخيرة، على نطاق واسع قضية أصبحت اليوم بيد القضاء، في خرق واضح لقاعدة مهنية وأخلاقية مستقرة، مفادها أن أي ملف معروض على القضاء يجب أن يُترك لمساره الطبيعي، بعيدًا عن التأويل والتجييش الإعلامي. فالقاعدة المؤثورة، التي تشكل أحد أعمدة العدالة، واضحة: المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته.

القضية التي أثير حولها هذا الجدل تتعلق بمتابعة مدير إحدى مديريات المحافظة العقارية التابعة للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، على خلفية مهامه السابقة حين كان على رأس إحدى المحافظات بمدينة الدار البيضاء. غير أن بعض المنابر الإلكترونية اختارت، بدل انتظار كلمة القضاء، الخوض في النوايا وطرح الاستنتاجات، بل والتلميح إلى مواقف إدارية لم تصدر أصلًا.
التساؤل الموجّه أم الضغط غير المباشر؟
تذهب بعض هذه الجرائد إلى التساؤل عن موقف المدير العام للوكالة، السيد كريم تجمّعتي، وكأن المطلوب منه إصدار حكم مسبق أو اتخاذ إجراء إداري تحت ضغط العناوين والتدوينات. والحال أن أي رد أو إجراء خارج الإطار القانوني والمؤسساتي، وفي هذه المرحلة تحديدًا، قد يُفهم على أنه إقرار ضمني بما لم يقل به القضاء بعد.
فالمسؤولية الإدارية، حين تُمارس بعقلانية، تقتضي عدم الانسياق وراء الإشاعة أو الحملات، خصوصًا حين تكون القضية معروضة على أنظار العدالة، ولم يصدر فيها أي حكم نهائي.
الاستمرارية الإدارية ليست تواطؤًا
إن استمرار المسؤول المعني في أداء مهامه وتسيير المديرية لا يعني تبرئته، كما لا يعني بأي حال التواطؤ أو التغاضي، بل هو تطبيق حرفي لمبدأ قرينة البراءة، وضمان لسير المرفق العمومي بانتظام، بعيدًا عن الارتباك والقرارات الانفعالية.
بل إن أي إجراء متسرع، في هذا التوقيت، قد يُفسَّر على أنه استجابة لضغط إعلامي، أو تأكيد غير مباشر لما ذهبت إليه بعض الكتابات، وهو ما لا يخدم لا الإدارة ولا العدالة.
بين الخبر والإشاعة… خيط رفيع
المقلق في هذا النقاش هو التحول السريع من نقل الخبر إلى صناعة الاشتباه، ومن المتابعة الإعلامية إلى تصفية حسابات محتملة، تحت غطاء “حق الرأي العام في المعلومة”. فليس كل ما يُنشر معلومة، وليس كل صمت إدانة.
وهنا تبرز مسؤولية الصحافة الجادة:
إما أن تواكب القضاء باحترام، أو تتحول إلى محكمة موازية، وهو دور لا يخدم دولة القانون.
القضاء يقول كلمته… ثم تتحرك المؤسسات
إن الموقف المتزن يفرض اليوم ترك القضاء يقول كلمته الفصل، دون ضغط أو توجيه. وعندها فقط، ستتحرك المؤسسة المعنية، وفق القانون، وبما يقتضيه الواجب الإداري والمسؤولية.
أما قبل ذلك، فإن الحكمة تقتضي الصمت المؤسساتي، لا هروبًا من المسؤولية، بل احترامًا لها.