رأي في حدث
بقلم: حسن الخلقي
في الوقت الذي أجمع فيه المتتبعون، من خبراء وتقنيين وإعلام دولي، على أن الدورة الخامسة والثلاثين لكأس الأمم الإفريقية التي احتضنها المغرب كانت واحدة من أنجح الدورات في تاريخ المسابقة، خرج علينا ما يمكن تسميته بـ“الثالوث المشؤوم”: عبد الله فاي رئيس الجامعة السنغالية لكرة القدم، ووليد صادي رئيس الاتحادية الجزائرية، وصامويل إيتو رئيس الاتحاد الكاميروني، بتصريحات وانتقادات تفتقد لأبسط شروط المنطق والموضوعية.
انتقادات لا تستند إلى تقارير تقنية، ولا إلى معايير تنظيمية معتمدة، ولا إلى ملاحظات موثقة، بل إلى انطباعات فضفاضة، وتلميحات مبهمة، ومواقف سياسية وشخصية مموّهة بغطاء رياضي. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل المشكلة في تنظيم “كان المغرب”، أم في عجز هذا الثلاثي عن التماهي مع واقع جديد تقوده كفاءات إفريقية تؤمن بالإصلاح والاحتراف؟

لقد نوه رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، باتريس موتيسيبي، صراحة وعلنا، بالتنظيم المغربي، معتبرا إياه نموذجًا يُحتذى به في البنية التحتية، واللوجستيك، والتحكيم، والاستقبال، والتغطية الإعلامية. وهو موقف لم يأت من فراغ، بل من معاينة ميدانية وتقييم مؤسساتي، ينسجم مع رؤية “كاف” الرامية إلى إعادة الاعتبار لكرة القدم الإفريقية على الصعيد العالمي.
غير أن هذا التقييم الإيجابي لم يرق للبعض، فاختاروا طريق التشكيك بدل المساهمة، والهدم بدل البناء، وكأن نجاح المغرب إهانة شخصية لهم، أو تهديد لمواقعهم المهزوزة داخل منظومات كروية تعاني التخبط وسوء التسيير وغياب المشاريع الواضحة.
والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، أن جزءًا كبيرًا من هذه الحملة الممنهجة يحمل في طياته رائحة تصفية حسابات واضحة مع فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الرجل الذي فرض نفسه داخل دوائر القرار الإفريقي والدولي بالكفاءة والعمل، لا بالشعارات ولا بالاصطفافات الظرفية. نجاحه لم يكن صدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية جعلت من المغرب شريكًا موثوقًا في تطوير كرة القدم الإفريقية.
أما عبد الله فاي، ووليد صادي، وصامويل إيتو، فبدل أن ينكبّوا على معالجة أعطاب كرة القدم في بلدانهم—من ضعف التكوين، إلى أزمات التحكيم، إلى الفوضى الإدارية—اختاروا أسهل الطرق: مهاجمة التجربة الناجحة، علّ ذلك يغطي على فشلهم في التسيير وغيابهم عن تقديم أي قيمة مضافة حقيقية للمشروع الإفريقي.

إن كرة القدم الإفريقية اليوم في مفترق طرق: إما أن يقودها حكماء الإصلاح من طينة باتريس موتيسيبي وفوزي لقجع، الذين يؤمنون بالاستثمار، والشفافية، والتخطيط بعيد المدى، أو تُترك رهينة حسابات ضيقة وعقليات انتقامية لا ترى في النجاح إلا تهديدًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
كيف يمكن لأفريقيا أن تنهض كرويًا، إذا كان بعض مسؤوليها يعتبرون نجاح الآخر فشلًا لهم؟
الجواب واضح: لن تنهض إفريقيا إلا عندما يُعزل الفشل، ويُحاسَب، ويتوقف عن عرقلة المسار، وتُفسَح الطريق لمن يعمل، لا لمن يصرخ بعد كل إنجاز.