تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تحتضن حلبة دار السلام بالرباط، خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 21 يونيو 2026، منافسات الدورة الخامسة والعشرين لجائزة الحسن الثاني للفنون الفروسية التقليدية “التبوريدة”، التي تنظمها الجامعة الملكية المغربية للفروسية، في موعد سنوي أصبح يشكل محطة بارزة للاحتفاء بأحد أبرز مكونات الهوية الثقافية والحضارية للمملكة.
ولا تعد التبوريدة مجرد استعراض فلكلوري أو منافسة رياضية، بل هي فن مغربي أصيل يختزل قرونا من التاريخ، ويجسد علاقة الإنسان المغربي بالفرس، تلك العلاقة التي تشكلت عبر محطات الجهاد والدفاع عن الوطن، وتطورت لتصبح إرثا حضاريا تتناقله الأجيال جيلا بعد جيل. فصوت البارود الموحد، وانسجام الفرسان، ودقة الحركات الجماعية، كلها عناصر تعكس قيم الانضباط والشجاعة والتضامن التي ميزت المجتمع المغربي عبر العصور.
وقد استطاع المغرب، بفضل العناية الملكية السامية، أن يحافظ على هذا الموروث الثقافي الفريد، وأن يحوله إلى رافعة ثقافية وسياحية تبرز غنى التراث الوطني وتنوعه. كما أصبحت جائزة الحسن الثاني للفنون الفروسية التقليدية مناسبة سنوية تجمع أفضل “السربات” من مختلف جهات المملكة، في منافسة شريفة تعكس المستوى المتقدم الذي بلغته التبوريدة المغربية.
ومن الناحية التحليلية، فإن النجاح المتواصل لهذه التظاهرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية اعتمدتها الجامعة الملكية المغربية للفروسية، التي عملت على تحديث أساليب التنظيم والتكوين والتأطير، مع الحفاظ على الأصالة والخصوصية المغربية لهذا الفن العريق. وقد ساهمت هذه الجهود في الرفع من جودة المنافسات وتوسيع قاعدة الممارسين وإشعاع التبوريدة داخل المغرب وخارجه.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري الذي اضطلع به رئيس الجامعة الملكية المغربية للفروسية، الشريف مولاي عبد الله العلوي، الذي كرس سنوات طويلة لخدمة رياضة الفروسية بمختلف تجلياتها، سواء الحديثة منها أو التقليدية. فقد كان من أبرز المدافعين عن ضرورة صيانة التراث الفروسي المغربي وتطويره، من خلال توفير البنيات التحتية الملائمة، وتشجيع التكوين، وتحسين شروط الممارسة، والارتقاء بالتنظيم إلى مستويات احترافية جعلت من المغرب نموذجا يحتذى به في مجال المحافظة على الفنون الفروسية التقليدية.
إن بلوغ جائزة الحسن الثاني دورتها الخامسة والعشرين يشكل مناسبة للتأكيد على نجاح المغرب في تحقيق معادلة صعبة تجمع بين الوفاء للتاريخ والانفتاح على المستقبل. فالتبوريدة ليست مجرد ماض نستحضره، بل هي مكون حي من مكونات الهوية الوطنية، وفضاء لترسيخ قيم المواطنة والانتماء والاعتزاز بالتراث المغربي الأصيل.
ويبقى هذا الموعد السنوي الكبير شاهدا على المكانة المتميزة التي تحتلها الفروسية التقليدية في وجدان المغاربة، وعلى الجهود المتواصلة التي تبذلها الجامعة الملكية المغربية للفروسية، بقيادة الشريف مولاي عبد الله العلوي، من أجل ضمان استمرارية هذا الإرث الحضاري ونقله إلى الأجيال القادمة، بما يحفظ للمغرب خصوصيته الثقافية ويعزز إشعاعه الحضاري على الصعيدين الإقليمي والدولي.