في مشهد يعكس عمق الاختلالات التي ما تزال تعاني منها بعض مناطق العالم القروي، توصل موقع “بيتنا الآن” بعريضة موقعة من طرف ساكنة سهب الديب ومشيوة والحاسي الطويل، التابعة لطافراطة بجماعة هوارة أولاد رحو، إقليم جرسيف، تحمل في طياتها أكثر من مجرد شكاية عابرة؛ إنها صرخة احتجاج ضد ما تعتبره الساكنة “تمييزاً مجاليًا” وإقصاءً غير مبرر من مشروع فك العزلة الذي أطلقته الجهة الشرقية.
العريضة، الموجهة إلى والي الجهة الشرقية ورئيس مجلسها، تستند إلى معطيات دقيقة، من بينها إدلاء الموقعين بمراجع بطائق تعريفهم الوطنية، وهو ما يعكس جدية الطرح وعمق المعاناة. فالساكنة لا تطالب بالمستحيل، بل بطريق – ولو من الدرجة الدنيا – يربط دواويرهم بالعالم الخارجي، ويضع حداً لمعاناة يومية تتجلى في نقل النساء الحوامل في ظروف قاسية، وحرمان التلاميذ من تنقل آمن نحو مدارسهم، فضلاً عن صعوبة قضاء أبسط الأغراض الحياتية.

غير أن ما يثير الاستغراب، وفق مضمون العريضة، هو أن هذا المقطع الطرقي الذي يمتد لحوالي 15 كيلومتراً، كان مبرمجاً في فترات سابقة، خصوصاً خلال ولاية الرئيس السابق مولاي أحمد السنوسي، قبل أن يتم إسقاطه من لائحة المشاريع دون توضيح رسمي للرأي العام المحلي. وهنا تطرح الساكنة سؤالاً مشروعاً: من المسؤول عن هذا “الإلغاء غير المعلن”؟
الانتقادات الموجهة لا تقف عند حدود رئيس جماعة هوارة أولاد رحو الحالي، بل تمتد لتشمل السلطات الإقليمية، في إشارة إلى غياب التنسيق أو ربما ضعف التتبع لمشاريع مهيكلة يفترض أن تحقق العدالة المجالية. فكيف يعقل أن توافق الجهة على مشاريع طرق قروية بالإقليم، بينما يتم استثناء هذا المحور الحيوي الذي يربط ثلاثة دواوير تعيش عزلة خانقة؟
إن هذا الملف يعيد إلى الواجهة إشكالية الحكامة الترابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً في ما يتعلق بتدبير المشاريع التنموية. كما يسلط الضوء على الحاجة إلى شفافية أكبر في برمجة المشاريع، وتوضيح معايير الانتقاء، حتى لا تتحول التنمية إلى امتياز جغرافي بدل أن تكون حقاً دستورياً مكفولاً لجميع المواطنين.
وفي ظل هذا الوضع، تتجه الأنظار إلى والي الجهة الشرقية ورئيس مجلس الجهة، باعتبارهما الجهتين المشرفتين على تنزيل برامج فك العزلة، من أجل فتح تحقيق إداري جدي في ملابسات هذا الإقصاء، وترتيب المسؤوليات، وإعادة إدراج هذا المشروع ضمن الأولويات التنموية بالإقليم.
إن ساكنة سهب الديب ومشيوة والحاسي الطويل لا تطلب سوى حقها في الكرامة والعيش اللائق، وهو حق لا ينبغي أن يظل رهين حسابات ضيقة أو اختلالات تدبيرية. فهل تتحرك الجهات المعنية لإنصاف هذه الساكنة، أم أن العزلة ستبقى قدراً مفروضاً خارج إرادة التنمية؟