سقطة أخنوش الانتخابية.. حين يتحول التهكم إلى ورطة سياسية
ما كان ينقص الحملة الانتخابية إلا أن يدخل رئيس الحكومة بنفسه إلى ملعب الكلام غير المحسوب، وأن يضع لسانه في مرمى الخصوم، في لحظة يفترض فيها أن يكون رجل الدولة أكثر الناس حرصاً على وزن كل كلمة، وحساب كل عبارة، واستحضار موقعه الدستوري والبروتوكولي والسياسي.
لكن عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، اختار، خلال تجمع انتخابي بمديونة، أن يوجه كلاماً تهكمياً إلى فوزي لقجع، مستحضراً الوعد المتعلق بكأس إفريقيا للأمم، في وقت لم تعد فيه القضية مجرد مادة للضحك أو المناكفة الانتخابية، بل أصبحت مرتبطة بمسار مؤسساتي ورياضي وقضائي داخل أجهزة كرة القدم الإفريقية.
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة.
هل يدرك رئيس الحكومة ماذا يقول؟
فالرجل ليس مرشحاً عادياً يقف في زاوية شارع أو أمام مقهى ويطلق نكتة انتخابية ثم تنتهي الحكاية. إنه رئيس الحكومة، وشخصية تحتل موقعاً متقدماً في هرم الدولة، وكل كلمة تصدر عنه يمكن أن تتحول، في لحظة، إلى عنوان سياسي وإعلامي، بل ويمكن أن يستثمرها الخصوم خارج حدود المغرب.
كان يمكن لرئيس الحكومة أن يترك كرة القدم لأهلها، وأن يترك المؤسسات الرياضية تقوم بعملها، وأن يقول ببساطة: ننتظر القرار النهائي للمؤسسات المختصة.
وكان يمكنه، بل كان عليه، أن يتذكر أن الصمت في بعض اللحظات ليس ضعفاً، وإنما حكمة دولة.
أما أن يتحول ملف ما زال مطروحاً أمام أعلى هيئة قضائية رياضية إلى مادة للسخرية الانتخابية، فذلك ليس مجرد «زلة لسان». إنها سقطة في التقدير السياسي، لأن الخصوم لا يحتاجون في مثل هذه الحالات إلى اختراع شيء؛ يكفيهم أن يأخذوا كلام رئيس الحكومة كما قيل، وأن يعيدوا تدويره في الداخل والخارج.
فماذا ترك لهم رئيس الحكومة ليقولوه؟
لقد قدم لهم المادة جاهزة.
والأخطر أن هذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها خطاب انتخابي من دائرة الانضباط السياسي إلى منطقة يمكن أن تنقلب على صاحبه وحزبه. وهنا تطرح «بيتنا الآن» سؤالاً مشروعاً: هل أصبح قادة التجمع الوطني للأحرار عاجزين عن ضبط زلات اللسان في زمن الانتخابات؟
فالحملة الانتخابية ليست حفلاً للكلام بلا حساب، وليست منصة لتصفية الحسابات الشخصية، وليست مسرحاً للمزايدات.
السياسي المحترف يعرف أن الميكروفون لا يرحم، والكاميرا لا تنسى، ومواقع التواصل لا تمنح أحداً فرصة لاستعادة كلمته بعد أن يقولها.
ولذلك، فإن ما يصدر عن رئيس الحكومة لا يُقاس فقط بالضحكة التي قد تنتزعها جملة من جمهور محدود، وإنما يُقاس بما يمكن أن تتركه تلك الجملة من أثر على صورة المسؤول، والحزب، والمؤسسات التي يمثلها.
ثم إن المواطن المغربي لم يعد ينتظر من السياسيين المزيد من النكات الانتخابية.
المغربي يريد جواباً عن الأسعار، والشغل، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، والعدالة المجالية، ومشاكل الإدارة، ومستقبل أبنائه.
أما أن تتحول الحملة إلى مسابقة في إطلاق العبارات الساخرة والردود الانتخابية، فهذا لا يزيد السياسة إلا ابتعاداً عن جوهرها.
وفي التجمع الوطني للأحرار تحديداً، يبدو أن مشكلة ضبط الخطاب لم تعد حادثة معزولة.
فمن زلات اللسان إلى الخرجات التي تثير الجدل، يجد الحزب نفسه مضطراً في كل مرة إلى مواجهة تداعيات كلام كان يمكن تفاديه بكلمة واحدة: التريث.
وإذا كانت واقعة فوزي لقجع قد أضافت حلقة جديدة إلى مسلسل الخرجات الانتخابية، فإن المواطن يتذكر أيضاً الجدل الذي رافق تصريحات الحسن السعدي وقضية «الفورماج الفاسد»، وما خلفته من نقاش سياسي وإعلامي واسع.
والسؤال هنا ليس: من يستطيع أن يرفع صوته أكثر؟
السؤال الحقيقي هو: من يستطيع أن يضبط لسانه أكثر؟
لأن الدولة تُبنى بالمسؤولية، والأحزاب تُقاس برجالها، ورئيس الحكومة تحديداً لا يملك رفاهية أن يتحدث كما يتحدث أي مرشح عادي.
إن منصب رئيس الحكومة يفرض على صاحبه أن يكون أكثر حرصاً، لا أكثر اندفاعاً.
وفي الانتخابات، قد يصفق لك جمهورك على جملة ساخرة، لكن الناخب في اليوم التالي قد يحاسبك على مضمونها.
وهنا نقولها بصراحة:
يا قادة التجمع الوطني للأحرار، الانتخابات ليست حلبة للسان المنفلت، والسياسة ليست ميكروفوناً مفتوحاً بلا فرامل.
لقد ملّ المغاربة من الزلات، ومن التبريرات، ومن محاولة تحويل كل انتقاد إلى مؤامرة انتخابية.
وإذا كان الحزب يريد فعلاً إقناع المغاربة بأنه حزب الكفاءات والمسؤولية، فإن أول امتحان للكفاءة والمسؤولية يبدأ من الكلمة.
فالكلمة مسؤولية، خصوصاً عندما تصدر عن رئيس الحكومة.
والزلة قد تُضحك الحاضرين لحظة، لكنها قد تكلف صاحبها وحزبه سياسياً الكثير.
وفي زمن الانتخابات، لا أحد ينسى… ولا شيء يُمحى من ذاكرة الناخب.