تعيينات حموشي الجديدة… دماء شابة نعم، ولكن ماذا عن الكفاءات العليا التي تنتظر الإنصاف؟

لم يكن إعلان المديرية العامة للأمن الوطني، يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026، عن التأشير على تعيينات جديدة في صفوف الأمن الوطني مجرد حركة عادية في خريطة المسؤوليات؛ بل هو جزء من دينامية متواصلة لإعادة ضخ دماء جديدة في دواليب الإدارة الأمنية، والاستعانة بكفاءات شابة ومتمرسة قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها الميدانية بكفاءة واقتدار.

وقد شملت هذه الحركة 12 منصباً للمسؤولية بعدد من المصالح اللاممركزة، من بينها وجدة والقنيطرة وفاس وإيموزار كندر وتطوان وطنجة وأيت ملول وإنزكان وورزازات وجرف الملحة ومشرع بلقصيري، في إطار توجه يروم الرفع من مردودية الموارد البشرية، وإتاحة التداول على مراكز المسؤولية، وإسناد التدبير الميداني لكفاءات أمنية مؤهلة.

لكن، وهنا مربط الفرس…

إذا كان ضخ الدماء الجديدة والتداول على المسؤوليات مبدأً محموداً، فإن السؤال الذي تطرحه “بيتنا الآن”، بكل وضوح ودون مساحيق، هو: أين موقع الكفاءات العليا من رجال الأمن الوطني بالزي الرسمي في هذه المعادلة؟

هل يكفي أن يكون رجل الأمن كفؤاً ومخلصاً ومتخرجاً من المعهد الملكي للشرطة، وأن يقضي سنوات طويلة في خدمة المؤسسة، حتى يجد نفسه في نهاية المطاف خارج دائرة الترشيح للمسؤوليات، بينما تفتح الأبواب أمام ضباط أقل رتبة منه؟

هنا لا نتحدث عن المطالبة بامتياز شخصي لأحد، ولا عن تعيين هذا المسؤول أو ذاك، وإنما عن مبدأ مؤسساتي اسمه تكافؤ الفرص، ومبدأ إداري اسمه الاستحقاق.

فالمؤسسة الأمنية، التي جعلت من الكفاءة والمردودية والتكوين والتأهيل ركائز أساسية في تدبير مواردها البشرية، مطالبة قبل غيرها بأن تجعل هذه المبادئ حاضرة بقوة عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى مراكز المسؤولية.

والأخطر من ذلك أن تثار، داخل أوساط بعض الأطر الأمنية، تساؤلات حول دور بعض المسؤولين الإداريين في المصالح المركزية أو الولايات الأمنية في اقتراح الأسماء أو التأثير في مسارات الترشيح، بما قد يجعل بعض الكفاءات العليا تشعر بأن الطريق أمامها ليس مفتوحاً بالقدر نفسه أمام غيرها.

وهنا نقولها صراحة:

لا يمكن أن نطالب رجل الأمن بالمردودية والإخلاص والانضباط، ثم نجعله يشعر بأن سنوات خدمته وتكوينه ورتبته لا تمنحه بالضرورة فرصة عادلة للتقدم وتحمل المسؤولية.

فالرجل الذي قضى سنوات في الميدان، وراكم التجربة، وتلقى تكويناً متخصصاً، وتحمل مسؤوليات أمنية، لا ينبغي أن يصبح مجرد رقم في سلم الموارد البشرية.

وإذا كانت المديرية العامة للأمن الوطني تراهن على التداول على المسؤولية، فإن التداول الحقيقي لا يعني فقط تغيير الأسماء، وإنما يعني أيضاً فتح المنافسة أمام جميع الكفاءات المستحقة، دون حسابات ضيقة، ودون حواجز إدارية غير معلنة، ودون أن تتحول بعض مواقع القرار الإداري إلى بوابات مغلقة في وجه كفاءات تستحق أن تصل إلى مواقع المسؤولية.

إن “بيتنا الآن” لا تشكك في فلسفة الحركة الانتقالية ولا في حق الإدارة في اختيار من تراه مناسباً للمسؤولية؛ فهذا اختصاص مؤسساتي لا تنازعها فيه الجريدة.

لكننا نسأل، وبصوت مرتفع:

هل تخضع كل الترشيحات للميزان نفسه؟

هل الرتبة والتكوين والخبرة والكفاءة والمردودية تؤخذ بالقدر نفسه بعين الاعتبار؟

وهل يُمنح كبار الضباط من خريجي المعهد الملكي للشرطة، خصوصاً من أثبتوا كفاءتهم في الميدان، فرصتهم الحقيقية للوصول إلى المسؤولية؟

إن كانت الإجابة نعم، فليطمئن الجميع.

أما إذا كانت هناك اختلالات في منظومة الاقتراح والترشيح، فإن إصلاحها لن يكون ترفاً إدارياً، بل ضرورة للحفاظ على الثقة داخل المؤسسة.

لأن أخطر شيء على أي مؤسسة أمنية ليس تغيير المسؤولين…

بل أن يشعر رجل الأمن الكفء بأن الكفاءة وحدها لا تكفي.

وهنا نوجه رسالة واضحة إلى المسؤولين عن تدبير الموارد البشرية بالأمن الوطني:

أنصفوا الكفاءات قبل أن تبحثوا عن كفاءات جديدة.

افتحوا الأبواب أمام الجميع قبل أن تغلقوها أمام من خدموا المؤسسة لسنوات.

واجعلوا الرتبة والتكوين والخبرة والاستحقاق، لا العلاقات الإدارية ولا الحسابات الشخصية، هي جواز المرور إلى المسؤولية.

فالأمن الوطني مؤسسة وطنية كبرى، ونجاحها لا يقاس فقط بعدد التعيينات الجديدة، وإنما أيضاً بمدى شعور رجالها ونسائها بأن الاجتهاد يُكافأ، والكفاءة تُقدَّر، والاستحقاق لا يضيع.

تلك هي المعادلة التي ينبغي أن تنتصر… لأن من يحمي أمن المواطن، يستحق قبل كل شيء أن يشعر بأن مؤسسته تحمي حقه في الإنصاف.

شاهد أيضا

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد