بين الواقع والإشاعة: تماسك القيادة وتحديات العدالة الاجتماعية داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية
في خضم ما يُروَّج له من إشاعات مغرضة عن وجود صراع مزعوم بين المدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية والكاتب العام للوكالة، يفرض الواقع الإداري والمؤسساتي نفسه بقوة لينسف هذه الادعاءات من جذورها. فالعلاقة التي تجمع بين المسؤولين ليست فقط علاقة عمل عادية، بل علاقة مبنية على الاحترام المتبادل، والتكامل في الأدوار، والتنسيق المسؤول في تدبير واحدة من أهم المؤسسات العمومية ذات المردودية المالية العالية بالمغرب.
إن ما يُشاع عن “صراع” بين الرجلين لا يعدو أن يكون كذباً وبهتاناً، تروّجه بعض الجهات لأهداف لا تخدم لا المؤسسة ولا مستخدميها، بل تسيء إلى صورة الإدارة العمومية في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى التماسك المؤسساتي أكثر من أي وقت مضى.
الكاتب العام: رجل التوافق والاستمرارية
يُسجَّل للكاتب العام للوكالة أنه منذ تعيينه سنة 2003، لم تُسجَّل عليه أية نقطة سلبية تُذكر في مساره التدبيري، بل على العكس، ارتبط اسمه بمنهج التوافق والهدوء المؤسساتي، واحترام التسلسل الإداري، والعمل في انسجام تام مع المديرين العامين الذين تعاقبوا على الوكالة. ويكفي دليلاً على ذلك تمديد مهامه حتى بعد بلوغه سن التقاعد، وهو أمر لا يُمنح إلا لمن أثبت كفاءة ونزاهة واستحقاقاً.
مداخيل قياسية… وعدالة غائبة
الأرقام هنا صادمة وتستدعي وقفة تأمل جادة. فالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية حققت خلال سنة 2025 مداخيل فاقت 1000 مليار سنتيم (أي ما يفوق مليار دولار)، لتُصنَّف ضمن الثلاثة الأوائل وطنياً من حيث المداخيل والمساهمة في ميزانية الدولة.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في كون هذه المداخيل الضخمة لا تنعكس إيجاباً على أوضاع مستخدمي الوكالة، الذين يشتغلون في ظروف أقل ما يقال عنها إنها غير إنسانية في بعض الأحيان، سواء من حيث وسائل العمل، أو أسطول المركبات، أو البنيات الاجتماعية.
ميزانية تُستنزف… وإدارة في مأزق
حسب المعطيات المتداولة، فإن مساهمة الوكالة في الميزانية العامة للدولة برسم سنة 2026 تفوق ثلثي مداخيلها، أي ما يزيد عن 730 مليار سنتيم، ولا يتبقى للوكالة سوى حوالي 330 مليار سنتيم، وهي ميزانية بالكاد تكفي لتغطية نفقات التسيير والتجهيز، ناهيك عن الاستجابة لمطالب اجتماعية مشروعة.
وهنا يجد المدير العام نفسه في مأزق حقيقي لا يُحسد عليه:
كيف يُطالب بتحسين وضعية الأعمال الاجتماعية في ظل هذا النزيف المالي؟
وكيف يُحاسَب على ملفات لا يملك مفاتيحها المالية؟
أسئلة محرجة لرئيس الحكومة
أليس من حق الرأي العام أن يتساءل:
كيف تُطالب وكالة منتِجة بتمويل الدولة بأكثر من ثلثي مداخيلها؟
ولماذا لا يُترك على الأقل ثلثا هذه المداخيل داخل الوكالة لتحسين ظروف العمل؟
وهل مداخيل وزارتي التعليم أو الداخلية تفوق مداخيل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية؟
ولماذا تستفيد مؤسسات غير منتِجة من دعم اجتماعي سخي، بينما يُترك مستخدمو وكالة منتِجة لـ“الفتات”؟
غضب نقابي مشروع
تشير مصادر نقابية إلى أن الكيل قد طفح، وأن استمرار هذا الوضع ينذر بتوتر اجتماعي حقيقي داخل مؤسسة تُعد من ركائز تمويل الميزانية العامة للدولة. فليس من المعقول أن تُهدر مجهودات آلاف المستخدمين دون أن ينعكس ذلك على أسرهم عبر مؤسسة أعمال اجتماعية محترمة، كما هو الشأن في قطاعات أخرى تستهلك أكثر مما تُنتج.
إن الإشكال الحقيقي داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية ليس صراع أشخاص، بل اختلال في منطق توزيع الثروة العمومية.
وما لم يُعاد النظر في طريقة تعامل الحكومة مع هذه المؤسسة المنتِجة، فإن الحديث عن الحكامة والعدالة الاجتماعية سيظل مجرد شعارات جوفاء.