حين تعجز الأحزاب الإسبانية عن تقديم الحلول، تستدعي المغرب إلى منصة الاتهام!
يبدو أن المغرب أصبح، في جزء من المشهد السياسي والإعلامي الإسباني، الجوكر الذي يُستدعى عند الحاجة، والشماعة التي تُعلَّق عليها كل الأخطاء، والخصم المثالي الذي لا يكلف اتهامه كثيراً من الجهد السياسي!
كلما اقترب موعد انتخابي، وكلما اشتدت المنافسة على رئاسة الحكومة، وكلما وجد حزب إسباني نفسه في حاجة إلى عنوان مثير لاستمالة الناخبين، خرج المغرب من جديد إلى الواجهة.
مرة بسبب الهجرة، ومرة بسبب سبتة، ومرة بسبب الصحراء المغربية، ومرة بسبب الحدود، ومرة بسبب التعاون الأمني، ومرة بسبب العلاقات مع الجزائر… وكأن إسبانيا لا تعاني أزمات داخلية، ولا تعرف خلافات سياسية، ولا تعرف صراعاً بين الأحزاب، ولا تعرف أزمة في تدبير ملفاتها.
المغرب دائماً حاضر في قاموس المزايدات!
والأغرب من ذلك أن بعض الأحزاب الصغيرة، التي قد لا يعرفها أغلب الإسبان إلا عندما تبحث عن الأضواء، تجد في المغرب فرصة ذهبية لصناعة وجود سياسي وإعلامي.
فما أسهل أن تقول: «المغرب هو المشكلة»!
وما أصعب أن تقول للناخب الإسباني: هذه أخطاؤنا، وهذه مسؤوليتنا، وهذه حلولنا!
إن ما يحدث اليوم حول ما يسمى «أزمة سبتة» يستحق قراءة هادئة وعميقة، بعيداً عن الصراخ الإعلامي، وبعيداً عن تلك اللغة التي تريد تحويل كل حادث حدودي إلى معركة سياسية بين مدريد والرباط.
نعم، وقعت أزمة إنسانية وأمنية خطيرة في سبتة، وخلفت ضحايا ومآسي إنسانية، ولا يمكن التقليل من خطورتها. لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: من نعاقب؟ ومن نتهم؟
السؤال الحقيقي هو:
هل تملك الحكومة الإسبانية والأحزاب المعارضة الشجاعة السياسية لفتح كل الملفات على الطاولة، أم أنها تفضل البحث عن كبش فداء خارج الحدود؟
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالعلاقات المغربية الإسبانية ليست مجرد سياج حديدي في سبتة، ولا مجرد قوارب مهاجرين، ولا مجرد تصريحات انتخابية. إنها علاقات سياسية واقتصادية وأمنية وتجارية واستراتيجية معقدة، تجعل من المستحيل اختزالها في أزمة عابرة أو في خطاب شعبوي.
والذين يعرفون دهاليز السياسة الإسبانية يدركون جيداً أن البروباغندا شيء، والتدبير الحكومي شيء آخر.
قد يرفع الحزب الاشتراكي سقف الخطاب عندما يحتاج إلى مواجهة خصومه، وقد يفعل الحزب الشعبي الشيء نفسه، وقد تدخل أحزاب أصغر على الخط بحثاً عن بضعة أصوات إضافية، لكن عندما يتعلق الأمر بمصالح الدولة الإسبانية الحقيقية، فإن لغة المصالح والعقلانية تعود لتفرض نفسها.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن تفهمه بعض الصحافة الإسبانية قبل بعض السياسيين.
المغرب ليس ملفاً انتخابياً إسبانياً.
المغرب دولة ذات سيادة، لها مصالحها وحساباتها وخياراتها الاستراتيجية، كما أن لإسبانيا مصالحها وحساباتها.
والأغرب أن بعض الأصوات الإسبانية تتحدث عن المغرب وكأنه دولة مطالبة دائماً بتقديم الحساب لمدريد، وكأن التعاون الأمني والهجرة والاقتصاد والطاقة كلها امتيازات إسبانية مجانية، وليست مصالح متبادلة.
بل إن ملف الطاقة نفسه يكشف حجم التعقيد الذي تحاول بعض الخطابات الشعبوية إخفاءه.
فأنبوب المغرب العربي–أوروبا الذي كان يمر عبر الأراضي المغربية وتوقف نقل الغاز الجزائري من خلاله سنة 2021، أصبح جزءاً من تاريخ الطاقة في المنطقة، بينما استمر خط Medgaz المباشر بين الجزائر وإسبانيا. وفي المقابل، شهدت شبكة الأنبوب الذي يمر عبر المغرب استعمالاً عكسياً لنقل الغاز من إسبانيا نحو المغرب.
وهنا نقول للذين يريدون اختزال كل شيء في «أزمة سبتة»:
السياسة لا تُقرأ من خلال العناوين فقط، وإنما من خلال المصالح والخرائط والطاقة والاقتصاد والتحالفات.
فهل المطلوب فعلاً البحث عن الحقيقة، أم أن المطلوب صناعة خصم خارجي كلما احتاجت بعض القوى السياسية الإسبانية إلى معركة انتخابية؟
والسؤال الأكثر إحراجاً:
إذا كان المغرب هو المسؤول دائماً، فلماذا قال رئيس الحكومة الإسبانية نفسه إنه لا توجد أدلة على تورط المغرب في تنظيم أزمة سبتة؟
ولماذا تستمر بعض الأحزاب والصحف في تقديم رواية سياسية مختلفة؟
هنا تكمن المفارقة.
ففي الوقت الذي تشير فيه معطيات وتقارير إلى وجود أزمة تدبيرية وسياسية داخل إسبانيا نفسها، تستمر بعض الأصوات في محاولة دفع الأنظار نحو المغرب.
بل إن استطلاعاً نشرته «إل باييس» و«كادينا سير» أظهر أن غالبية الإسبان تنتقد أيضاً طريقة تعامل حكومة سانشيز مع الأزمة، رغم تحميل نسبة كبيرة منهم المغرب مسؤولية ما وقع. أي أن الأزمة تحولت إلى ورقة انتخابية داخلية، لا إلى ملف مغربي–إسباني فقط.
وهذا هو مربط الفرس.
المغرب لا يريد أن يكون طرفاً في الحملات الانتخابية الإسبانية.
لا يريد أن يكون ورقة بيد اليمين، ولا اليسار، ولا اليمين المتطرف، ولا الأحزاب الصغيرة.
ومن أراد علاقات طبيعية مع الرباط، فليتعامل مع المغرب باعتباره دولة، لا باعتباره «جوكر» انتخابياً.
أما سبتة، فليكن النقاش حولها سياسياً وقانونياً وتاريخياً، لكن لا تحولوا كل أزمة اجتماعية أو هجرة غير نظامية إلى حرب إعلامية ضد المغرب.
فالمغرب ليس مسؤولاً عن كل أزمة داخل إسبانيا.
وإذا كانت بعض الأحزاب الإسبانية تبحث عن طريقها إلى قصر مونكلوا، فلتبحث عنه داخل إسبانيا، لا فوق الأراضي المغربية!
أما نحن في «بيتنا الآن» فنقولها بوضوح:
انتهى زمن الشماعة المغربية.
ومن يريد محاسبة المغرب فليقدم الدليل، ومن يريد اتهام المغرب فليتحمل مسؤولية اتهامه، ومن يريد الفوز بالانتخابات الإسبانية فليقدم برنامجه للناخب الإسباني.
أما المغرب، فليس صندوق اقتراع إسبانياً…
وليس جوكر السياسة الإسبانية!