رئيسة الحكومة في مواجهة المعارضة: البرلمان ليس حلبة للعرقلة… بل ساحة للمحاسبة!

الأمسية البرلمانية التي أعقبت تقديم البرنامج الحكومي، لم يكن النقاش مجرد تبادل للكلمات بين الحكومة والمعارضة، بل كان اختباراً حقيقياً لأخلاقيات الممارسة السياسية، ولمدى استيعاب بعض الفرق البرلمانية للفارق الجوهري بين معارضة تمارس الرقابة وتقترح البدائل، ومعارضة تجعل من الاعتراض غاية ومن التشويش منهجاً!

لقد واجهت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، انتقادات الفرق والجماعات البرلمانية بأجوبة مباشرة وصريحة، اتسمت بلهجة حازمة في مواجهة ما اعتبرته اختلالات في الخطاب والممارسة السياسية. وكان ردها، بحسب ما عكسته أجواء الجلسة، مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل جاءت بعض المداخلات لمناقشة البرنامج الحكومي ومساءلة أصحابه عن الالتزامات والوعود، أم أن الغاية لدى بعض المتدخلين كانت تسجيل النقاط السياسية وإظهار الخصومة، ولو على حساب جوهر النقاش؟

يا سادة المعارضة، إن البرلمان ليس مسرحاً لاستعراض العضلات الكلامية، ولا منصة لتصفية الحسابات الحزبية، ولا مختبراً لصناعة الضجيج السياسي! البرلمان مؤسسة دستورية، والمغاربة الذين منحوا أصواتهم لممثليهم ينتظرون منهم أن يناقشوا السياسات العمومية، وأن يكشفوا مواطن الخلل، وأن يقدموا بدائل قابلة للتنفيذ، لا أن يكتفوا بتوزيع الاتهامات ورفع شعارات المعارضة لمجرد إثبات الوجود.

والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض من راكموا تجربة سياسية وحكومية طويلة ما زالوا، في بعض لحظات النقاش، يتصرفون وكأنهم لم يستوعبوا بعد أن السياسة ليست مجرد خطب ومزايدات، بل مسؤولية وأخلاق واحترام لذكاء المواطنين. فالتجربة لا تُقاس بعدد السنوات التي قضاها المرء في المؤسسات، وإنما بقدرته على تقديم الحجة، واحترام الاختلاف، والتمييز بين النقد المسؤول والمزايدة المجانية.

لقد بدت رئيسة الحكومة، في نظر من تابعوا هذه المواجهة، حاضرة بقوة في ردودها، حريصة على الدفاع عن برنامج حكومتها، ولم تتردد في مواجهة ما رأته انتقادات غير مؤسسة أو ممارسات لا تخدم جوهر النقاش البرلماني. ولذلك يمكن وصفها بأنها بطلة الأمسية من حيث الحضور السياسي وقوة الردود، مع بقاء الحكم النهائي على أداء الحكومة رهيناً بما ستنجزه على أرض الواقع، لا بما تقوله تحت قبة البرلمان.

لكن، وحتى لا يتحول الحزم الحكومي بدوره إلى إعفاء من المساءلة، فإن المطلوب من الجميع هو احترام قواعد اللعبة الديمقراطية: الحكومة مطالبة بتنفيذ برنامجها والوفاء بالتزاماتها، والمعارضة مطالبة بمراقبتها بجدية، وكشف إخفاقاتها بالحجة والدليل، واقتراح البدائل التي تخدم المواطنين.

أما تحويل كل محطة سياسية إلى معركة شخصية، أو التعامل مع البرنامج الحكومي وكأنه خصم ينبغي إسقاطه قبل أن يبدأ تنفيذه، فذلك لا يخدم الديمقراطية ولا يجيب عن انتظارات المغاربة.

الحكومة أمامها خمس سنوات من العمل والمحاسبة، والمغاربة لا يريدون خمس سنوات من الصراخ السياسي! يريدون شغلاً وفرصاً للشباب، وتعليماً يليق بأبنائهم، وصحة تحفظ كرامتهم، وإدارة تنصفهم، وعدالة اجتماعية يشعرون بها في حياتهم اليومية.

فلتعمل الحكومة، ولتراقبها المعارضة، وليحكم المواطنون على النتائج. أما الذين يخلطون بين المعارضة والعرقلة، وبين النقد والتشهير السياسي، فنقول لهم: إن التاريخ لا يحتفظ بعدد الصيحات التي ارتفعت تحت القبة، بل بما قدمه المنتخبون من عمل ومواقف مسؤولة ومقترحات نافعة.

وفي انتظار أن تتحول الكلمات إلى قرارات، والوعود إلى إنجازات، يبقى الرهان الحقيقي أكبر من انتصار فريق على آخر في سجال برلماني: إنه رهان ثقة المغاربة في مؤسساتهم، وفي قدرة السياسة على تغيير واقعهم نحو الأفضل.

بيتنا الآن — الخبر مقدس والتعليق حر

شاهد أيضا

شاهد أيضا