بيتنا الآن: معارضة بلا بدائل… وخطابة تحت قبة البرلمان!

حين يتحول نقد التصريح الحكومي إلى استعراض كلامي، وتُختزل المعارضة في مهاجمة الأشخاص بدل مساءلة السياسات، يصبح السؤال مشروعاً: من يدافع عن مصالح المغاربة داخل مجلس النواب؟

ليست المعارضة أن ترفع الصوت، ولا أن تبحث عن العناوين المثيرة، ولا أن تتخذ من كل كلمة حكومية مناسبة لإعلان الخصومة السياسية. المعارضة الحقيقية مسؤولية دستورية وأخلاقية، قوامها النقد الموضوعي، والمساءلة الجادة، وتقديم البدائل القابلة للتنفيذ. أما تحويل المؤسسة التشريعية إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية واستعراض المواقف، فذلك انحراف عن جوهر العمل البرلماني، مهما حاول أصحابه تسويقه باسم الديمقراطية.

إن ما أثار الاستغراب في بعض تدخلات رؤساء الفرق البرلمانية، خلال مناقشة التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان، هو ذلك الخلط الواضح بين نقد السياسات الحكومية ومهاجمة الأشخاص، وكأن إعلان الانتماء إلى المعارضة لا يكتمل إلا بجرعة إضافية من التشنج والاتهامات، حتى لو غابت الحجة، وتوارى البديل، وضاعت القضايا التي ينتظر المواطنون أجوبة عنها.

فأين هي البدائل؟ وأين هي الأرقام؟ وأين هي المقترحات العملية التي من شأنها معالجة البطالة، وتحسين المدرسة العمومية، وتجويد الخدمات الصحية، وتخفيف أعباء المعيشة عن الأسر المغربية؟

هذه هي الأسئلة التي كان ينبغي أن تتصدر النقاش، لا أن تضيع وسط سجال شخصي لا يضيف شيئاً إلى حياة المواطن، ولا يجيب عن انتظاراته، ولا يوضح كيف يمكن تصحيح الاختلالات التي قد يتضمنها البرنامج الحكومي.

إن رئيسة الحكومة، بصفتها المسؤولة عن تنفيذ البرنامج الحكومي، ليست فوق المساءلة، بل إن مساءلتها واجب برلماني أصيل. لكن المساءلة شيء، وتحويل النقاش إلى مواجهة شخصية شيء آخر تماماً. فالسياسات تُناقش، والقرارات تُفحص، والوعود تُقاس بنتائجها، والاختلالات تُواجه بالحجة والوثيقة والاقتراح، لا بمجرد الرغبة في الظهور بمظهر المعارض الشرس.

والأكثر إثارة للتساؤل هو إسناد رئاسة بعض الفرق البرلمانية إلى وجوه لم تتح لها بعد فرصة كافية لاكتساب التجربة البرلمانية اللازمة لتدبير فريق وقيادة مداخلاته في ملفات معقدة. فقيادة فريق برلماني ليست امتيازاً تنظيمياً، ولا مكافأة تمنحها قيادة حزبية لأحد أعضائها، وإنما مسؤولية تتطلب الإلمام بالعمل التشريعي، والقدرة على تحليل السياسات العمومية، وإدارة النقاش، وصياغة البدائل، وتمثيل مواقف الحزب بوضوح واتزان.

وإذا كان من حق كل برلماني أن يتعلم ويكتسب الخبرة، فإن ذلك لا يعفي الأحزاب من مسؤولية اختيار من يتولى مواقع القيادة وفق معايير التجربة والتكوين والقدرة على تحمل المسؤولية. ويزداد هذا النقاش إلحاحاً حين يتعلق الأمر بحزب عريق تجاوز عمره ستة عقود؛ إذ يفترض أن تكون له من التقاليد التنظيمية والخبرة السياسية ما يجعله أكثر حرصاً على تأهيل قياداته البرلمانية، لا الاكتفاء بالأسماء والمواقع.

إن العبث الحقيقي يبدأ عندما تصبح المواقع أكبر من أصحابها، وتنفصل المسؤولية عن شروط ممارستها، ويُختزل العمل البرلماني في خطابات لا تقاس بعمق حججها ولا بجدوى مقترحاتها، بل بما تثيره من ضجيج وتصفيق.

ومع ذلك، فإن التجربة لا تُقاس بالسن وحده، ولا يجوز الحكم على أي برلماني لمجرد حداثة عهده بالمؤسسة؛ وإنما تُقاس بما يقدمه من أداء، وما يظهره من قدرة على الإقناع، وما يضعه من حلول. غير أن حداثة التجربة تفرض على الأحزاب مسؤولية مضاعفة في التأطير والمواكبة، حتى لا يتحول موقع القيادة إلى عبء على صاحبه وعلى المؤسسة التي يمثلها.

إن المغاربة الذين منحوا أصواتهم للأحزاب والمرشحين لم يصوتوا من أجل مشاهدة مسرحيات سياسية تحت قبة البرلمان، ولم يختاروا ممثليهم كي يتبادلوا الاتهامات أو يتنافسوا في إلقاء الخطب الرنانة. لقد صوتوا أملاً في تحسين أوضاعهم، والدفاع عن حقوقهم، ومراقبة الحكومة، والتشريع بما يخدم مصالحهم.

ولهذا، فإن المعارضة التي لا تقدم بديلاً تظل مطالبة بمراجعة أدوات اشتغالها، كما أن الأغلبية التي لا تستجيب للنقد الجاد مطالبة بدورها بتصحيح مسارها. فالديمقراطية لا تستقيم بأغلبية تكتفي بالدفاع عن الحكومة، ولا بمعارضة تكتفي برفض كل ما يصدر عنها؛ بل تقوم على التنافس في البرامج، والاحتكام إلى الوقائع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن مجلس النواب ليس مدرسة لتعلم الخطابة على حساب قضايا المواطنين، ولا منصة لتوزيع صكوك المعارضة والوطنية. إنه مؤسسة دستورية يفترض أن تكون في مستوى انتظارات شعب لم يعد تنطلي عليه الشعارات وحدها.

وإذا كانت بعض التدخلات قد كشفت عن ضعف في بناء الحجة أو غياب البدائل، فإن الحل ليس في التشهير بأصحابها، بل في مطالبتهم بتطوير أدائهم، ومطالبة أحزابهم بتحمل مسؤوليتها في الاختيار والتأطير، ومحاسبتهم سياسياً على ما يقدمونه داخل المؤسسة التشريعية.

إن الشعب المغربي أذكى من أن يخلط بين المعارضة الحقيقية والضجيج السياسي، وبين الجرأة في الكلام والقدرة على اقتراح الحلول. ولن تكفيه بعد اليوم خطابات الغضب ولا المناكفات الشخصية، ما لم تتحول إلى مواقف واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ.

فإما معارضة مسؤولة، تنتقد وتُقنع وتقترح البديل، وإما أن يتحول التموقع في المعارضة إلى مجرد لافتة سياسية بلا مضمون.

وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل الفرق البرلمانية، أغلبية ومعارضة: إن ثقة المواطنين أمانة، ومقاعد البرلمان مسؤولية، ومن لا يجعل مصلحة الشعب بوصلة لعمله، فعليه أن يدرك أن المغاربة يراقبون، ويقارنون، ويحكمون على الأداء لا على الشعارات.

بيتنا الآن — الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد