حين غادر البطل الخشبة… وبقي المخرج وحيداً أمام الجمهور!

الجزء الثاني من مسرحية جرسيف: تراجيديا انتخابية بلا بطل.

غادر «البطل» الخشبة، وأُسدل الستار مؤقتاً، لكن المسرحية لم تنتهِ.

بل ربما بدأت لحظتها التراجيديا الحقيقية…

ففي الفصل الأول، كان كل شيء معداً بعناية: بطل كبير، زيارة كبيرة، سيناريو كبير، ووعود بمشهد جماهيري يليق بصورة أراد لها البعض أن تبقى في ذاكرة الانتخابات بجرسيف.

لكن المسرح له قوانينه.

والجمهور لا يمكن استدعاؤه دائماً بأمر من المخرج.

وحين فتح الستار، كان المشهد ـ بحسب مصادرنا ـ أقل بكثير مما كان يتوقعه أصحاب السيناريو.

هنا بدأت المأساة.

البطل حضر… لكن الجمهور لم يحضر بالحجم الذي كان مطلوباً!

والمخرج الذي كان يعتقد أنه يملك مفاتيح المشهد، اكتشف أن هناك شيئاً واحداً لا يخضع لإخراج أحد:

مزاج الناس.

فالانتخابات ليست حفلاً مغلقاً، ولا اجتماعاً يمكن ملء كراسيه بقرار تنظيمي، ولا صورة جماعية يمكن ترتيبها مسبقاً لتبدو أكبر مما هي عليه.

الانتخابات، في النهاية، هي صندوق.

والصندوق لا يعرف المخرج.

ولا السيناريست.

ولا مساعدي المخرج.

ولا حتى «البطل».

الصندوق يعرف فقط من يقف خلف الستارة، ثم يقرر وحده من يخرج منها.

والأكثر مأساوية في هذه المسرحية أن الزيارة، بحسب ما بلغنا، جرى التخطيط لها خارج جرسيف، في بركان، وكأن المدينة مجرد خشبة يجري إعدادها لاستقبال شخصية في مشهد انتخابي مكتوب سلفاً.

لكن جرسيف ليست خشبة مسرح.

جرسيف مدينة لها ساكنتها، ولها ذاكرتها، ولها أسئلتها، ولها حساباتها الانتخابية.

وإذا كان بعضهم قد أراد للجمهور أن يكون مجرد «كومبارس» في الخلفية، فإن الجمهور الحقيقي قد يكون لديه رأي آخر.

أما عن المشهد الذي قيل إن الحضور فيه كان من لون انتخابي واحد، فنحن نترك التفاصيل لأصحابها…

فالفهيم يفهم، ومن لم يفهم فربما يحتاج إلى إعادة مشاهدة المسرحية من بدايتها!

لكن المفارقة الكبرى أن «البطل» ـ بحسب روايتنا ـ أدى دوره وغادر.

انتهى المشهد بالنسبة إليه.

أما الذين كتبوا وأخرجوا ورتبوا، فقد بقي عليهم أن يواجهوا الفصل الأصعب:

كيف تستمر مسرحية انتخابية بعد مغادرة بطلها؟

هنا لا تنفع المؤثرات الصوتية.

ولا تنفع الإضاءة.

ولا تنفع الصور.

ولا تنفع البيانات.

فالجمهور الحقيقي لا يجلس في القاعة فقط…

الجمهور الحقيقي ينتظر يوم الاقتراع.

وفي ذلك اليوم، لن يكون هناك مخرج يصرخ:

«أكشن!»

ولن يكون هناك سيناريست يكتب النهاية.

ولن يكون هناك مساعد يهمس للبطل بما ينبغي أن يقول.

سيكون هناك مواطن أمام ورقة الاقتراع.

وسيكون هناك صندوق.

وسيكون هناك فرز.

ثم ستنتهي المسرحية.

وحينها فقط، سيكتشف بعض أبطال الانتخابات أن أخطر شيء في المسرح السياسي هو أن الجمهور يمتلك حق تغيير نهاية النص!

أما «بيتنا الآن»، فتقولها بوضوح:

لقد انتهى زمن المسرح الانتخابي الذي يُفترض فيه أن يصفق الجمهور لمجرد أن البطل دخل من الباب.

ففي جرسيف، كما في غيرها، الناس لا يريدون دائماً بطلاً يأتي من خارج المشهد ليأخذ صورة ثم يغادر.

الناس تريد أن تعرف:

من كان حاضراً عندما كانت المدينة تحتاج إلى من يتحدث باسمها؟

من دافع عن قضاياها؟

من سأل باسم سكانها؟

ومن كان نائباً في البرلمان، لا مجرد اسم على ورقة انتخابية؟

وهنا بالضبط تنتهي الكوميديا…

وتبدأ التراجيديا.

لأن بعض الذين كتبوا المسرحية قد يكتشفون، متأخرين، أن الناخب ليس ممثلاً في مسرحيتهم… بل هو صاحب القرار في نهايتها.

يتبع…

والفصل الأخير لن يُكتب في بركان، ولا في جرسيف، ولا في أي مكتب انتخابي.

سيُكتب يوم الاقتراع… بالحبر، وبصمت الصندوق.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد