افتتاحية «بيتنا الآن» | سبتة المحتلة… حين تكشف مدريد الحقيقة وتسقط أبواق العداء!ما حدث في الثغر المحتل سبتة:
خلال أزمة تدفق المهاجرين لم يعد مجرد واقعة عابرة في أجندة العلاقات المغربية الإسبانية، بل تحول إلى امتحان حقيقي للسياسة والإعلام في إسبانيا، امتحانٌ سقط فيه البعض، ونجحت فيه الحقيقة التي جاءت هذه المرة من داخل الحكومة الإسبانية نفسها.
فبينما سارعت بعض الأحزاب اليمينية والمتطرفة، ومعها منابر إعلامية ومواقع إلكترونية إسبانية، إلى توجيه أصابع الاتهام نحو المغرب، خرج مسؤولون إسبان بمواقف أكثر اتزاناً، مؤكدين أهمية التعاون المغربي في احتواء أزمة الهجرة والتعامل معها.
وهنا يحق لنا أن نسأل أبواق العداء للمغرب: إذا كانت الحكومة الإسبانية نفسها تتحدث عن أهمية التعاون المغربي، فعلى أي أساس تُصرون على صناعة رواية أخرى؟ ومن المستفيد من تحويل كل أزمة داخلية إسبانية إلى تهمة جاهزة ضد الرباط؟
لقد أصبح واضحاً أن هناك فرقاً شاسعاً بين الموقف الرسمي للدولة الإسبانية وبين بعض الخطابات الحزبية والإعلامية التي تتغذى على التخويف من المغرب، وتبحث في كل أزمة عن مادة انتخابية جاهزة للاستهلاك.
ولعل موقف وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس، الذي أشاد بالتعاون المغربي ووصفه بالأساسي في احتواء أزمة الهجرة الأخيرة، يحمل دلالة سياسية لا يمكن القفز عليها. فالرجل يتحدث من موقع المسؤولية، ويعرف تفاصيل الملف أكثر من كثير ممن جعلوا من استوديوهات التلفزيون ومن صفحات المواقع الإلكترونية محاكمَ سياسية لمحاكمة المغرب.
وشهد شاهد من أهلها!
أما حزب فوكس بقيادة سانتياغو أباسكال، ومن يدور في فلك اليمين المتطرف وبعض التيارات القومية الهامشية، فليس جديداً على الرأي العام المغربي أن يسمع منه خطاباً عدائياً تجاه المغرب. لكن المشكلة ليست في أن يختلف حزب سياسي مع المغرب؛ فالاختلاف مشروع في السياسة، وإنما المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى خطاب كراهية، وتحريض، وتزييف للوقائع، واستثمار انتخابي في تخويف الإسبان من جارهم الجنوبي.
وإذا كان بعض اليمين الإسباني يريد أن يجعل من المغرب عدواً دائماً كي يربح أصواتاً في الانتخابات، فليعلم أن العلاقات الدولية لا تُدار بالشعارات الانتخابية، ولا بالصراخ في التجمعات، ولا بعناوين الصحافة الصفراء.
العلاقات بين الدول تُقاس بالمصالح، وبالأمن، والاقتصاد، والتجارة، والهجرة، والاستثمار، والتعاون الاستراتيجي.
والمغرب وإسبانيا يعرفان هذه الحقيقة جيداً.
أما محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، واستدعاء خطاب استعماري قديم، وتصوير المغرب باعتباره مصدر كل مشكلة إسبانية، فهي محاولة لن تصمد أمام الواقع.
ثم إن بعض هؤلاء الذين يهاجمون المغرب باستمرار يبدو أنهم ينسون التاريخ.
إسبانيا نفسها تحمل في مدنها وأسمائها ومعمارها وآثارها صفحات طويلة من التاريخ المغربي.
أكثر من خمسة قرون من الحضور المغربي في الأندلس ليست تفصيلاً يمكن محوه بخطاب حزبي أو عنوان صحفي. التاريخ لا يُمحى لأن حزباً متطرفاً لا يعجبه، والحضارة لا تختفي لأن بعض الأبواق قررت تجاهلها.
لكننا لا نعيش في القرن الماضي.
نحن أمام مغرب جديد، مغرب يعرف مصالحه، ويعرف موقعه، ويعرف كيف يدافع عن قضاياه، وفي مقدمتها وحدته الترابية ومغربية صحرائه.
ومن يريد أن يختبر قوة المغرب، فليقرأ فقط حجم الشراكات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية التي تجمع المملكة بعدد متزايد من الدول والقوى الدولية.
أما من يراهن على أن وصول الحزب الشعبي اليميني إلى الحكم في إسبانيا سيعني بالضرورة مواجهة مع المغرب، فهو يخلط بين الخطاب الانتخابي ومنطق الدولة.
فالحكومة، أياً كان لونها السياسي، ستجد نفسها أمام حقيقة بسيطة: المغرب جار استراتيجي لا يمكن تجاوزه، وشريك أساسي في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب والتجارة والاستثمار والطاقة.
والقول في المعارضة شيء، ومسؤولية الحكم شيء آخر.
ثم إن المغرب لم يدخل يوماً في سباق التهديدات والصراخ.
المغرب لا يحتاج إلى التلويح بالسلاح حتى يعرف الآخرون أنه يمتلك أوراقاً كثيرة.
القوة ليست دائماً في رفع الصوت، بل أحياناً في الصمت، وفي بناء الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز القدرات الأمنية والدبلوماسية، وتنويع الشراكات الدولية.
ولذلك نقول لأبواق اليمين المتطرف، وللبعض من الصحافة والمواقع الإلكترونية الإسبانية التي جعلت من العداء للمغرب مادة يومية:
لا تجعلوا من المغرب كبش فداء لأزماتكم الداخلية.
إذا كانت لديكم أدلة، فضعوها أمام الرأي العام.
وإذا كانت لديكم وثائق، فاكشفوها.
أما إطلاق الاتهامات بلا أدلة، ثم انتظار أن تتحول الأكاذيب إلى حقائق بمجرد تكرارها، فذلك لم يعد يليق بإعلام يفترض أنه يحترم قواعد المهنة.
والأغرب أن بعض هذه الأبواق تتحدث عن المغرب وكأنه دولة ضعيفة تنتظر الإذن من الآخرين حتى تتحرك.
لقد تغير المغرب.
والمغرب الذي تقدم أكثر من مرة لاستضافة كأس العالم، والذي دخل في مشاريع ضخمة في البنية التحتية والطرق والمطارات والملاعب والقطارات والموانئ، ليس ذلك البلد الذي يمكن تخويفه بعناوين صحفية.
أما الحديث عن كأس العالم 2030، فليعلم من يشكك في قدرة المغرب أن المملكة لا تحتاج إلى شهادة من أحد في قدرتها التنظيمية.
المغرب اختار أن ينظم الحدث العالمي بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهذا قرار سيادي ورياضي، لكن قدرته على تنظيم تظاهرات كبرى لم تعد موضع سؤال.
ومن الأفضل لبعض الأبواق الإسبانية أن تنظر إلى الملاعب والمنشآت والطرق والمطارات والموانئ والمدن المغربية قبل أن تطلق الأحكام من وراء شاشاتها.
المغرب لا يريد كأس العالم لكي يثبت لإسبانيا أنه قوي؛ المغرب يبني نفسه لأن هذه هي رؤيته لمستقبله.
وهنا بيت القصيد.
لقد انتهى زمن المغرب الذي يمكن اختزاله في صورة نمطية أو تحويله إلى ملف أمني فقط.
المغرب اليوم دولة لها مشروع، ولها مصالح، ولها حلفاء، ولها أوراقها، ولها قرارها.
ومن المؤسف أن بعض التيارات السياسية والإعلامية في إسبانيا ما زالت تنظر إلى المغرب بعين الماضي، بينما المغرب ينظر إلى المستقبل.
أما الجزائر، ومن يراهن على تغذية الخلاف المغربي الإسباني أو دفع بعض الأصوات الأوروبية والعربية إلى مهاجمة المملكة، فنقول لهم أيضاً:
العلاقات الدولية لا تُبنى على المؤامرات الصحفية، ولا على شراء المواقف، ولا على نفخ خطاب الكراهية.
قد تستطيعون التأثير في عنوان هنا أو تصريح هناك، وقد تستطيعون دفع سياسي إلى إطلاق موقف متشنج، لكنكم لن تستطيعوا تغيير الجغرافيا، ولن تستطيعوا إلغاء المصالح، ولن تستطيعوا إقناع الدول بأن مصالحها الاستراتيجية يجب أن تُدار وفق أجندة الآخرين.
لقد قالها الواقع قبل أن يقولها السياسيون:
المغرب وإسبانيا جاران، والجار قد يختلف مع جاره، لكنه لا يستطيع أن يغير موقعه على الخريطة.
ولهذا فإننا في «بيتنا الآن» نقولها بوضوح:
من حق الأحزاب الإسبانية أن تنتقد المغرب، ومن حق الصحافة الإسبانية أن تناقش سياساته، ولكن ليس من حق أحد أن يصنع من المغرب عدواً وهمياً لتغطية فشل داخلي أو لكسب أصوات انتخابية.
فالمغرب لن يسقط بالصراخ، ولن تهزه العناوين الملتهبة، ولن يتراجع أمام حملات التشويه.
المغرب يعرف طريقه… ومن اختار أن يعيش في أسر الماضي، فليعلم أن المغرب اختار المستقبل.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أقوى من كل الحملات:
الحكومة الإسبانية تتحدث عن التعاون…
والواقع يتحدث عن المصالح…
والتاريخ يتحدث عن الحضارة…
والمغرب يتحدث عن المستقبل.
أما أبواق الكراهية، فستظل تصرخ وحدها…
حتى يبتلعها ضجيج الواقع.