ليس كل يوم كيوم السابع من شتنبر 2026.
ففي إمزورن، لم تسقط رصاصة على رجل أمن فقط، بل سقط معها شيء من هيبة الدولة، وجرح عميق أصاب الإحساس العام بالأمن، عندما ارتقى حارس الأمن حمزة الزعام شهيداً للواجب، وهو يؤدي مهمة لم يكن عنوانها سوى حماية المجتمع وتطبيق القانون.
كان رجال الأمن والدرك هناك لتنفيذ القانون، وكان الطرف الآخر ــ وفق المعطيات المعلنة ــ مطلوباً للعدالة في قضايا بالغة الخطورة، قبل أن تتحول عملية التوقيف إلى مواجهة مسلحة، استُعملت فيها بندقية صيد ضد القوات العمومية، فأصيب الشرطي إصابة قاتلة، كما أصيب دركيان ومدني.
هنا يجب أن نتوقف. وهنا يجب أن نرفع الصوت.

إلى متى سيظل رجل الأمن والدركي ورجل الجمارك والقوات المساعدة يتقدمون إلى الخطر دفاعاً عن المواطنين، بينما يتعامل بعض الخارجين عن القانون مع الدولة وكأنها خصم يمكن تحديه بالسلاح؟
إلى متى يتحول الاتجار في المخدرات إلى إمبراطوريات إجرامية، وتتحول العصابات إلى كيانات تملك المال والسلاح والرجال، ثم نجد أنفسنا أمام مشهد أخطر: مجرم يطلق النار على رجل أمن لأنه أراد أن يمنعه من ارتكاب الجريمة؟
هذه ليست قضية عادية.
هذه قضية هيبة دولة.
وليست قضية خلاف بين شخصين.
إنها مواجهة بين سلطة القانون ومنطق الفوضى.
ومن هنا تقول «بيتنا الآن» بوضوح لا لبس فيه:
لا ينبغي أن يكون هناك أي تساهل مع من يحمل السلاح في وجه الدولة، ولا مع من يتاجر في المخدرات، ولا مع من يؤسس العصابات الإجرامية، ولا مع محترفي السرقة والنشل والاعتداء، ولا مع كل من يجعل من الإجرام مهنة ومصدراً للثراء.
نحن لا ندعو إلى الانتقام.
نحن ندعو إلى سيادة القانون بكل صرامته.
فالدولة التي تريد حماية مواطنيها مطالبة بأن تجعل العقوبة متناسبة مع خطورة الجريمة، وأن تجعل القضاء يقول كلمته بسرعة وفعالية، وأن تمنع أن تتحول ظروف التخفيف أو الإفراج أو الاستفادة من الآليات القانونية إلى رسالة خاطئة يفهم منها المجرم أن كلفة الجريمة يمكن أن تكون أقل من أرباحها.
أما عندما يصل الأمر إلى قتل رجل أمن أثناء أداء واجبه، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة، وتستوجب من المشرع والقضاء التعامل معها بما ينسجم مع خطورتها، وفي إطار القانون، ودون تردد أو تهاون.
فماذا نقول لأسرة حمزة الزعام؟
هل نقول لها إن القانون سيأخذ مجراه فقط؟
نعم، يجب أن يأخذ القانون مجراه.
ولكن أي قانون؟
قانون يحمي المجتمع، ويصون هيبة الدولة، وينصف الضحية، ويردع الجاني، ويمنع تكرار الجريمة.
الشهيد حمزة الزعام لن يعود إلى أسرته.
والترقية الاستثنائية التي مُنحت له بعد استشهاده تكريم مستحق، لكنها لا تعوض زوجة أو أماً أو أباً أو طفلاً عن فقدان إنسان خرج من بيته لأداء واجبه فعاد إليه جثماناً.
وهنا لا بد من سؤال الدولة، بكل الاحترام الواجب لمؤسساتها:
هل العقوبات الحالية، وكيفية تطبيقها، تحقق فعلاً الردع العام والخاص أمام الجرائم المنظمة والخطيرة؟
إذا كان المجرم يعرف أن حمل السلاح في وجه القوات العمومية قد ينتهي في نهاية المطاف بعقوبة قابلة للتخفيف أو الإفراج وفق الشروط القانونية، بينما رجل الأمن الذي واجهه قد يترك وراءه أسرة مكلومة إلى الأبد، فإن علينا أن نعيد النظر بجدية في فلسفة العقاب والردع.
ولنكن واضحين أيضاً:
لسنا ضد المنظمات الحقوقية، ولسنا ضد المجتمع المدني، ولسنا ضد ضمانات المحاكمة العادلة.
لكن حقوق الإنسان لا تعني أن تكون حقوق الجاني أهم من حق المجتمع في الأمن، ولا أن يصبح الدفاع عن المجرم أقوى من الدفاع عن الضحية.
الدولة هي التي تتحمل مسؤولية الأمن.
والدولة هي التي تتحمل مسؤولية حماية رجالها.
والدولة هي التي تملك سلطة التشريع والتنفيذ والقضاء.
أما الجمعيات والمنظمات الحقوقية، فدورها محترم ومشروع في مراقبة احترام الحقوق والحريات، لكنها ليست بديلاً عن الدولة، ولا تملك أن تحل محل المشرع أو القضاء.
أما الحديث عن الشريعة الإسلامية، فينبغي أن يكون حديثاً مسؤولاً أيضاً.
فالقرآن الكريم قرر مبدأ القصاص:
«وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ».
لكن تطبيق الحدود والقصاص في الفقه الإسلامي ليس شعاراً يرفع في المقالات، وإنما منظومة قضائية لها شروط وضوابط وإثباتات وسلطة قضائية مختصة. ولذلك فإن النقاش الجاد في المغرب ينبغي أن ينصب على مدى فعالية القانون الجنائي والعقوبات المقررة فيه، ومدى تحقيقها للردع وحماية المجتمع.
نحن أمام مرحلة لم يعد فيها من المقبول أن نكتفي كل مرة ببيان تعزية، وترقية استثنائية، ومراسم تشييع مهيبة، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يحدث.
حمزة الزعام استشهد.
فهل سنكتفي بالترحم عليه؟
أم سنجعل من استشهاده لحظة مراجعة حقيقية؟
مراجعة لعقوبات الاتجار في المخدرات.
مراجعة للتعامل مع العصابات الإجرامية.
مراجعة للجرائم المرتكبة بالسلاح.
مراجعة لظروف التخفيف في الجرائم الأشد خطورة.
مراجعة للعود إلى الإجرام.
ومراجعة لكل ثغرة تجعل المجرم يعتقد أن الدولة يمكن أن تتراجع أمامه.
نريد قانوناً شديداً، ولكن عادلاً.
نريد قضاءً مستقلاً، ولكن حازماً.
نريد حقوقاً وحريات، ولكن دون تحويلها إلى مظلة يحتمي تحتها من يهدد حياة المواطنين ورجال الدولة.
ونريد رجال أمن ودركاً وجمارك وقوات مساعدة يعرفون أن الدولة التي تطلب منهم مواجهة الرصاص لن تتخلى عنهم عندما يدفعون أغلى ثمن.
إن رجل الأمن لا يطلب منا المستحيل.
إنه يطلب فقط أن تكون الدولة خلفه عندما يقف في الصف الأول.
ومن يرفع السلاح في وجه الدولة، فعليه أن يعرف أن الدولة لا تفاوض الجريمة، ولا تستسلم للابتزاز، ولا تتسامح مع من يريد تحويل شوارعنا إلى ساحات للفوضى.
من إمزورن، يجب أن تصل الرسالة واضحة:
رحم الله شهيد الواجب حمزة الزعام.
لكن الرحمة وحدها لا تكفي.
المطلوب أن يتحول دمه إلى سؤال دولة، وإلى مراجعة قانون، وإلى ردع حقيقي، وإلى عهد بأن حياة رجال الأمن ليست أرخص من حياة المجرمين الذين يواجهونهم.
فإذا تراجعت هيبة القانون، تقدم المجرمون.
وإذا تقدم المجرمون، تراجع الأمن.
وإذا تراجع الأمن، دفع المواطن البسيط الثمن.
وهنا لا مجال للتساهل.
القانون يجب أن يكون قوياً… لأن الدولة الضعيفة أمام الجريمة، تترك المواطن وحيداً في مواجهة الخوف.
«بيتنا الآن» تقولها بصوت عالٍ: لا حصانة للجريمة، ولا تساهل مع السلاح، ولا رحمة مع من يقتل رجال الوطن أثناء أداء واجبهم… ولكن الحكم والعقوبة يظلان للقانون والقضاء.
رحم الله حمزة الزعام، ورحم كل شهداء الواجب، وحفظ رجال الأمن والدرك والقوات العمومية وهم يؤدون رسالتهم في حماية الوطن والمواطنين.
إنها ليست معركة رجل أمن ضد مجرم… إنها معركة دولة ضد الفوضى.