إحالة قانون تنظيم مهنة العدول على المحكمة الدستورية.. هل بدأت معركة الشرعية الدستورية؟

في خطوة تحمل أبعادا قانونية ومؤسساتية وسياسية عميقة، تقدمت فرق المعارضة والمجموعة النيابية بمجلس النواب، بتاريخ 15 ماي 2026، بإحالة القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول على المحكمة الدستورية، قصد البت في مدى مطابقته لأحكام الدستور، وهي الإحالة التي أعادت إلى الواجهة النقاش حول حدود السلطة التشريعية، ومدى احترامها للضمانات الدستورية المرتبطة بالمهن القضائية وشبه القضائية.

وتكتسي هذه الإحالة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب طبيعة مهنة العدول باعتبارها من أعرق المهن المرتبطة بالأمن التوثيقي والقضائي بالمملكة، بل أيضا لأن الإحالة جاءت مدعومة بتوقيع 92 نائبا برلمانيا يمثلون مختلف مكونات المعارضة، إلى جانب ثلاث نائبات غير منتسبات لأي فريق، وهو ما يعكس وجود تخوفات حقيقية من بعض مقتضيات هذا القانون، واعتبارها قد تمس بمبادئ دستورية أساسية.

فالفريق الاشتراكي ـ المعارضة الاتحادية وقع بـ32 نائبا، وفريق الحركة الشعبية بـ25 نائبا، وفريق التقدم والاشتراكية بـ20 نائبا، فيما وقعت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بـ12 نائبا، في مشهد برلماني نادر يوحد المعارضة حول ملف قانوني مهني حساس.

وقد ركزت الإحالة على الطعن في دستورية المواد 37 و50 و51 و53 بفقرتيها الأولى والثانية و55 في فقرتها الثانية و63 في فقرتها الأولى و67 في بندها الأول و77 في فقرتيها الثانية والثالثة، مع التماس النظر أيضا في مواد أخرى أو حتى في مجموع النص القانوني، إذا ما تبين للمحكمة الدستورية وجود تعارض مع روح ومقتضيات الدستور المغربي.

إن جوهر الأزمة القانونية المطروحة اليوم لا يتعلق فقط ببعض الصياغات التشريعية أو الإجراءات التنظيمية، بل يمتد إلى سؤال أكبر: هل حافظ القانون الجديد على استقلالية مهنة العدول وخصوصيتها التاريخية والقانونية؟ أم أنه فتح الباب أمام نوع من الوصاية الإدارية والتنظيمية التي قد تؤثر على طبيعة المهنة ورسالتها داخل منظومة العدالة؟

فعدد من المهتمين بالشأن القانوني يرون أن بعض المواد المثيرة للجدل قد تمنح للإدارة صلاحيات واسعة في التأديب أو التنظيم أو التقييد، بما قد يمس بمبدأ الأمن القانوني، أو يخلق نوعا من التضييق على ممارسة المهنة. كما أن هناك من يعتبر أن بعض المقتضيات قد لا تنسجم مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، أو مع الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية الولوج إلى المهن المنظمة قانونا.

وفي المقابل، يرى المدافعون عن القانون أن النص الجديد جاء في سياق تحديث مهنة العدول وعصرنتها، وربطها بالتحولات الرقمية والمؤسساتية التي تعرفها منظومة العدالة بالمغرب، وأن الإصلاح كان ضروريا لمواكبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الثقة في التوثيق العدلي.

غير أن اللجوء إلى المحكمة الدستورية يكشف، في العمق، عن وجود خلل في تدبير الحوار التشريعي حول هذا القانون، وعن استمرار التوتر بين الحكومة وبعض الهيئات المهنية والبرلمانية، خاصة حين يتعلق الأمر بقوانين تمس البنيات التقليدية للمهن القضائية.

وتبقى المحكمة الدستورية اليوم أمام امتحان قانوني ودستوري دقيق، لأن قرارها المنتظر لن يحدد فقط مصير مواد قانونية معينة، بل سيؤسس أيضا لاجتهاد دستوري جديد في ما يتعلق بتنظيم المهن القانونية والقضائية بالمغرب، وحدود تدخل المشرع في إعادة هيكلتها.

إن إحالة قانون تنظيم مهنة العدول على المحكمة الدستورية تؤكد مرة أخرى أن المغرب يعيش دينامية دستورية متقدمة، أصبح فيها الاحتكام إلى المؤسسات الدستورية آلية حضارية لحسم الخلافات التشريعية، بدل منطق الصراع السياسي أو الاحتقان المهني. كما تؤكد أن المعارضة البرلمانية، مهما اختلفت مرجعياتها، قادرة على توحيد مواقفها عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن ما تعتبره حماية للدستور والمؤسسات.

ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستنتصر المحكمة الدستورية لمنطق التحفظات المثارة حول القانون، أم ستعتبر أن المشرع مارس صلاحياته في إطار ما يسمح به الدستور؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن مهنة العدول دخلت مرحلة مفصلية قد تعيد رسم مستقبلها القانوني والمؤسساتي داخل منظومة العدالة المغربية.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد