يأتي 10 غشت، اليوم الوطني للمهاجر، كل سنة محمّلاً بالكثير من الشعارات والكلمات الجميلة، وتُفتح أبواب العمالات والأقاليم، وتُنصب المنصات، وتُنظم اللقاءات، وتُلقى الخطب، وتُلتقط الصور… ثم ينتهي اليوم، وينتهي معه كل شيء.
لكن السؤال الذي تطرحه «بيتنا الآن» بكل صراحة: أين هو المهاجر المغربي من كل هذا؟
جريدتنا واكبت، كما دأبت، عدداً من الأنشطة المنظمة بمناسبة اليوم الوطني للمهاجر، سواء ببهو العمالات والأقاليم أو في فضاءات خصصت لهذه المناسبة. وما استوقفنا ليس غياب المسؤولين، ولا حضور ممثلي الإدارات، ولا الكلمات الرسمية، وإنما الغياب اللافت لأصحاب المناسبة أنفسهم: أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
من حضر منهم، في بعض اللقاءات، كان يُعد على رؤوس الأصابع.
وهنا لا بد من طرح السؤال دون مساحيق: هل نجحنا فعلاً في جعل 10 غشت يوماً للمهاجر، أم أننا حولناه، في بعض الحالات، إلى مناسبة بروتوكولية للإدارة؟
المهاجر لا يحتاج إلى منصة تُلقى فوقها الخطب بقدر ما يحتاج إلى مسؤول يسمعه، وإدارة تستقبله، ومصلحة تجيبه، ومساطر مبسطة تختصر عليه الوقت والجهد.
فالمغربي المقيم بالخارج يأتي إلى وطنه محملاً بملفات وانتظارات ومشاريع وأوراق إدارية، ويعتقد، وبحق، أن أسابيع قليلة يقضيها في بلده ستكون كافية لتسوية أوضاعه.
لكن الواقع كثيراً ما يكون مختلفاً.
من الجماعات الترابية ومصالح التعمير والرخص، إلى مجموعة العمران، والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، ومصالح الضرائب والتسجيل، والوكالات الحضرية، وغيرها من المؤسسات والإدارات العمومية، يجد المهاجر نفسه أمام متاهة من المساطر، وتعدد المتدخلين، وتفاوت في جودة الاستقبال والتواصل، وأحياناً أمام ما يسميه المغاربة ببساطة: «سير واجي».
والحقيقة أن الإنصاف يقتضي ألا نضع كل الإدارات في سلة واحدة، وألا نحمّل الموظف وحده مسؤولية كل تعثر. فهناك مساطر يفرضها القانون، ووثائق لا يمكن تجاوزها، وآجال قانونية لا يمكن اختصارها بقرار إداري عابر.
القانون يجب أن يُطبق، والمساطر القانونية لا يجوز تجاوزها.
لكن تطبيق القانون لا يعني بالضرورة تعقيد حياة المواطن.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
المهاجر لا يطلب خرق القانون، وإنما يطلب تبسيط المسطرة، وتوحيد المعلومة، وتحسين الاستقبال، وتنسيق تدخل الإدارات، وتوفير مخاطب واضح يستطيع أن يوجهه ويختصر عليه رحلة البحث بين المكاتب.
ثم إن علينا أن نعترف بحقيقة أخرى: عطلة المهاجر قصيرة.
إنه يأتي إلى المغرب في فترة محدودة، وفي الوقت نفسه يريد أن يزور أسرته، ويستريح، ويقضي مصالحه، وربما ينجز مشروعاً عقارياً أو استثمارياً، ويسوي وضعية إدارية أو ضريبية أو عقارية.
فهل من المعقول أن يُطلب منه أن يقطع مئات الكيلومترات بين جماعة ووكالة حضرية ومحافظة عقارية ومصلحة للضرائب وإدارة أخرى، فقط للحصول على وثائق أو معلومات كان بالإمكان تنسيقها في شباك واحد؟
هنا، تحديداً، يجب أن تتحول مناسبة 10 غشت من يوم احتفالي إلى ورشة حقيقية لخدمة مغاربة العالم.
ولماذا لا تعتمد العمالات والأقاليم، طيلة فصل الصيف، مخاطباً موحداً أو شباكاً صيفياً خاصاً بمغاربة العالم، يجمع ممثلين عن مختلف الإدارات والمؤسسات المعنية؟
الجماعة الترابية حاضرة.
التعمير حاضر.
الوكالة الحضرية حاضرة.
المحافظة العقارية حاضرة.
الضرائب والتسجيل حاضران.
العمران حاضر.
وكل مؤسسة لها علاقة مباشرة بملفات المهاجر تكون ممثلة، أو على الأقل مرتبطة إلكترونياً بهذا الشباك.
هكذا يمكن للمهاجر أن يعرف: ما هي الوثائق المطلوبة؟ أين يضع ملفه؟ ما هي المرحلة التي وصل إليها؟ وما هو الأجل القانوني لمعالجته؟
بدل أن يبقى المواطن أسير عبارة: «سير عند المصلحة الفلانية»، ثم يعود ليُقال له: «الملف ناقص»، ثم يعود مرة ثالثة ليُحال إلى مصلحة أخرى.
هذا هو التبسيط الحقيقي.
وهذا هو الإنصات الحقيقي.
وهذا هو الفرق بين سياسة موجهة للمهاجر وسياسة تتحدث عن المهاجر.
إن مغاربة العالم ليسوا مجرد أرقام في موسم الصيف، ولا مجرد تحويلات مالية، ولا جمهوراً مطلوباً في القاعات يوم 10 غشت للتصفيق للخطب الرسمية.
إنهم مواطنون مغاربة، لهم حقوق، وعليهم واجبات، ومن حقهم أن يجدوا في وطنهم إدارة في مستوى انتظاراتهم.
وبالمقابل، عليهم هم أيضاً أن يدركوا أن الدولة لا تستطيع اختصار كل المساطر في يوم واحد، وأن القانون فوق الجميع، وأن بعض الملفات تحتاج إلى آجال ودراسات وموافقات لا يمكن تجاوزها.
لكن بين التجاوز غير القانوني والتعقيد الإداري غير الضروري مسافة كبيرة.
المطلوب هو سد هذه المسافة.
لذلك نقولها من منبر «بيتنا الآن»:
لا نريد 10 غشت يوماً للصور والخطب والبروتوكول. نريده يوماً لفتح الملفات، وحل المشاكل، والاستماع إلى المهاجر، وقياس جودة الخدمات المقدمة له.
نريد أن يصبح لكل مهاجر، عندما يدخل إلى العمالة أو الإقليم، مخاطب يعرف مشكلته ويوجهه إلى الحل، لا موظفاً يوجهه إلى موظف آخر.
نريد إدارة تقول للمهاجر: «ماذا تحتاج؟» بدل أن تقول له: «اذهب إلى المصلحة الفلانية».
فالمغرب الذي يطمح إلى إدارة حديثة ورقمية وفعالة، ويقطع أشواطاً كبيرة في تبسيط الخدمات، قادر أيضاً على أن يجعل من موسم عودة الجالية موسماً لتبسيط الإدارة، لا موسم «سير واجي».
أما أن نحتفل بالمهاجر يوماً واحداً، ثم نتركه بقية السنة يواجه المتاهة الإدارية نفسها، فذلك لا يصنع سياسة عمومية.
المهاجر لا يريد بروباغندا… يريد إدارة تنصت، ومساطر مبسطة، ومخاطباً واحداً، وحقه كاملاً في أن يُعامل كمواطن في وطنه.
وهذه، في نظر «بيتنا الآن»، هي الرسالة الحقيقية التي ينبغي أن يحملها 10 غشت.