شكل قرار إيداع القاضي بالمحكمة الزجرية الابتدائية بالدار البيضاء، وليد الطلبي، سجن العرجات، بعد الاستنطاق الابتدائي أمام قاضي التحقيق المكلف بقضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بالرباط، تطورا خطيرا واستثنائيا داخل المشهد القضائي المغربي، بالنظر إلى طبيعة التهم المرتبطة بالقضية، والتي تتعلق بشبهة التواصل والتخابر مع شخص فار من العدالة المغربية ومقيم بكندا، صدرت في حقه أحكام قضائية بالسجن.
القضية، كما تسرب من معطيات أولية، لم تعد مجرد شبهة عابرة أو معطيات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل انتقلت إلى مستوى التحقيق القضائي الرسمي، بعد أن دخلت المفتشية العامة للشؤون القضائية على الخط، واستمعت إلى القاضي المعني بالأمر، قبل أن تحيل الملف على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، الذي قرر بدوره تفعيل المسطرة الاستثنائية الخاصة بالقضاة، بإحالة الملف على الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالرباط.
وتكشف هذه التطورات أن الدولة المغربية تتعامل بحزم شديد مع أي شبهة يمكن أن تمس هيبة واستقلال السلطة القضائية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقاض يفترض فيه حماية القانون وتطبيقه، لا الوقوع تحت دائرة الشبهات المرتبطة بالتواصل مع أشخاص موضوع متابعات أو أحكام قضائية نهائية.
الأخطر في هذه القضية، هو أن الأبحاث التقنية والتحريات المنجزة، حسب المعطيات المتداولة، أظهرت وجود تواصل بين القاضي والمسمى “جيراندو”، وهو ما دفع قاضي التحقيق المكلف بقضايا الإرهاب إلى اتخاذ قرار الإيداع بالسجن ومواصلة التحقيق، في انتظار الكشف عن طبيعة العلاقة وحدودها، وما إذا كانت تدخل في إطار أفعال يعاقب عليها القانون الجنائي.
وفي خضم هذا الزلزال القضائي، برز المعطى الإنساني المؤثر، بعدما تحدثت مصادر عن انهيار القاضي المشتبه فيه ودخوله في حالة بكاء خلال جلسة الاستماع الإعدادية أمام قاضي التحقيق، وهو مشهد يعكس بلا شك حجم الضغط النفسي والصدمة التي ترافق السقوط المفاجئ من منصة إصدار الأحكام إلى مقعد المتهم الخاضع للتحقيق.
غير أن العبرة في مثل هذه الملفات، ليست في البعد العاطفي أو الإنساني فقط، بل في ضرورة احترام قرينة البراءة، لأن التحقيق القضائي لا يزال جاريا، ولم تصدر بعد أي أحكام نهائية في حق المعني بالأمر. فالقضاء، الذي يطالب المواطنين باحترام القانون، مطالب أيضا بضمان محاكمة عادلة ومنصفة لكل من يمثل أمامه، مهما كانت صفته أو موقعه.
وفي المقابل، فإن هذه القضية تطرح من جديد أسئلة عميقة حول أخلاقيات المهنة القضائية، وحدود استعمال وسائل التواصل الحديثة، وكيفية حماية القضاة من أي اختراق أو استدراج قد يمس استقلاليتهم أو يضعهم في دائرة الشبهات.
إن المغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة إصلاحات مهمة في مجال العدالة وتعزيز استقلال السلطة القضائية، يجد نفسه اليوم أمام اختبار جديد يؤكد أن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يستثني أحدا، وأن المؤسسة القضائية نفسها أصبحت تخضع لآليات الرقابة والتتبع، حماية لثقة المواطنين في العدالة وهيبتها.