فاجعة فاس.. حين تتحول العمارات إلى قبور جماعية

لم تعد حوادث انهيار العمارات بالمغرب مجرد حوادث عرضية أو قضاء وقدر كما يحاول البعض تسويق ذلك، بل أصبحت جرس إنذار خطير يفضح أعطاب التعمير والمراقبة والمسؤولية الإدارية. فالفاجعة التي هزت حي عين النقبي بمقاطعة جنان الورد بمدينة فاس، والتي أسفرت لحدود الساعة عن مصرع تسعة أشخاص وإصابة آخرين، بينهم حالة حرجة، أعادت إلى الواجهة سؤالا مؤلما: من المسؤول عن سقوط أرواح المغاربة تحت أنقاض الإهمال؟

مشاهد الدمار والصراخ وانتشال الجثث من تحت الركام ليست مجرد صور عابرة، بل شهادة دامغة على حجم الاختلالات التي يعرفها قطاع التعمير والسكن ببعض الأحياء الهشة. فكيف يعقل أن تتكرر حوادث انهيار العمارات بنفس المنطقة بين الفينة والأخرى دون أن تتحرك الجهات الوصية بحزم قبل وقوع الكارثة؟ وهل كانت السلطات تنتظر سقوط الضحايا حتى تتحرك لجان التحقيق؟

إن ما وقع بحي عين النقبي ليس حادثا معزولا، بل نتيجة تراكم سنوات من التغاضي عن البناء العشوائي، وضعف المراقبة التقنية، والتساهل مع بعض المخالفات التي تتحول مع مرور الوقت إلى قنابل موقوتة تهدد أرواح الأبرياء. فهناك مسؤوليات متعددة يجب أن تخضع للمحاسبة، تبدأ من المنتخبين، وتمر عبر السلطات المحلية والمصالح التقنية والمهندسين والمكاتب المكلفة بالمراقبة، وصولا إلى كل من ثبت تورطه بالفعل أو بالصمت أو بالتواطؤ.

الأخطر في هذه الفواجع أن المواطن المغربي أصبح يشعر بأن حياته لا تحظى بالقيمة التي تستحقها، مادامت الكوارث تتكرر دون محاسبة حقيقية. فكم من تقرير أنجز بعد كل انهيار؟ وكم من لجنة حلت بالمكان؟ وكم من وعود قدمت للرأي العام؟ لكن الواقع يؤكد أن شيئا لم يتغير، وأن مسلسل الإهمال مازال مستمرا، إلى أن تسقط عمارة جديدة وتحصد معها أرواحا أخرى.

إن نقل المصابين إلى المستشفى الجامعي الحسن الثاني لتلقي العلاجات الضرورية، رغم أهميته، لا يعفي الدولة ومختلف المتدخلين من تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية. لأن المطلوب اليوم ليس فقط إسعاف الضحايا، بل إسعاف منظومة كاملة تعاني من اختلالات خطيرة في مجال التعمير والسلامة والبنيات السكنية.

الرأي العام اليوم ينتظر من النيابة العامة فتح تحقيق شفاف وجدي لا يستثني أحدا، مهما علا منصبه أو نفوذه. فالمحاسبة الحقيقية لا يجب أن تكون مجرد إجراء شكلي لامتصاص غضب الشارع، بل مدخلا لإرساء مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة كما ينص على ذلك الدستور المغربي. كما أن البحث يجب أن يشمل ملفات البنايات الآيلة للسقوط، ورخص البناء، وتقارير الخبرة التقنية، وكل الجهات التي كان يفترض أن تدق ناقوس الخطر قبل وقوع الكارثة.

إن صورة التعمير بالمغرب تلقت ضربة قوية بسبب هذه الفاجعة، خاصة وأن المملكة مقبلة على أوراش كبرى وتظاهرات دولية تتطلب بنية عمرانية آمنة ومحترمة. فلا يمكن الحديث عن التنمية والحداثة، بينما لا تزال بعض الأحياء تعيش تحت تهديد الانهيار في أي لحظة.

فاجعة فاس ليست مجرد خبر عابر، بل صرخة غضب في وجه الإهمال والتقصير. وأرواح الضحايا ليست أرقاما تضاف إلى نشرات الأخبار، بل أمانة في أعناق كل مسؤول قصر أو تهاون أو صمت. لقد حان الوقت لتطبيق القانون بصرامة، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، لأن كفى من دفن الأبرياء تحت أنقاض الإهمال.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا