في خضم النقاش السياسي المتواصل الذي يرافق أداء الحكومة، تبرز أسماء شابة استطاعت، في ظرف وجيز، أن تفرض حضورها داخل المشهد السياسي والمؤسساتي، ليس بمنطق الشعارات أو صناعة الضجيج الإعلامي، وإنما بمنطق العمل الميداني والتدبير الهادئ والمسؤول. ومن بين هذه الوجوه، يبرز اسما مصطفى بايتاس ولحسن السعدي، المنتميان إلى عزيز أخنوش، واللذان قدّما، رغم حداثة تجربتهما الحكومية وصغر سنهما، صورة مختلفة عن الجيل الجديد من المسؤولين السياسيين القادرين على تحمل المسؤولية والانخراط الجاد في خدمة الوطن والمواطن.
لقد استطاع مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن يتحول إلى أحد أبرز الوجوه التواصلية داخل الحكومة الحالية، ليس فقط بحكم موقعه كناطق رسمي، بل أيضا بفضل أسلوبه الرزين وقدرته على تدبير العلاقة بين المؤسسة التنفيذية والسلطة التشريعية. فالرجل، الذي جاء من تجربة سياسية وبرلمانية ميدانية، نجح في إعطاء دينامية جديدة لقطاع العلاقات مع البرلمان، وعمل على تعزيز جسور التواصل مع الفرق البرلمانية ومكونات المجتمع المدني، واضعا نصب عينيه ضرورة تقوية الديمقراطية التشاركية وتشجيع الفاعلين الجمعويين ماديا ومعنويا، في حدود الإمكانيات والاعتمادات المرصودة للوزارة.

كما لا يمكن إغفال المجهودات التي يبذلها داخل قبة البرلمان إلى جانب الطاقم الإداري والتقني المرافق له، في سبيل ضمان التنسيق المؤسساتي السلس بين الحكومة والبرلمان، وهو عمل قد لا يظهر دائما في الواجهة الإعلامية، لكنه يشكل أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار العمل الحكومي والتشريعي.
وفي الوقت ذاته، ظل مصطفى بايتاس وفيا لمسقط رأسه سيدي إفني، المدينة التي انتخب نائبا برلمانيا باسمها قبل استوزاره. فالرجل لم يقطع خيط التواصل مع منطقته، ولم يتنكر لامتداداته الاجتماعية والإنسانية، بل ظل حاملا لهمومها وتطلعات ساكنتها، على غرار عدد من الوزراء الذين حافظوا على ارتباطهم الرمزي والوجداني بمناطقهم الأصلية.
أما لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، فقد وجد نفسه منذ الأيام الأولى لتعيينه في مواجهة انتقادات متعددة، بعضها يدخل في إطار النقاش السياسي المشروع، وبعضها الآخر اتخذ طابعا شخصيا أو حزبيا ضيقا. غير أن الرجل اختار الرد بلغة العمل، مركزا جهوده على مواكبة الصناع التقليديين وتقوية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، في قطاع يعتبر من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني وحاملا لذاكرة وهوية المغاربة.
ورغم قصر المدة التي قضاها داخل الحكومة، فإن المتتبع الموضوعي لا يمكنه إنكار الدينامية التي حاول إرساءها، سواء عبر التواصل مع المهنيين أو من خلال الحضور الميداني ومواكبة التظاهرات المرتبطة بالصناعة التقليدية. ومن الطبيعي أيضا، في أي تجربة حكومية، أن يختار المسؤول السياسي الطاقم الذي يشتغل معه، سواء داخل الإدارة المركزية أو في الأنشطة والتظاهرات الجهوية، لأن الانسجام داخل فرق العمل شرط أساسي لتحقيق النجاعة المطلوبة. وهو أمر مارسته مختلف الأحزاب التي تعاقبت على تدبير الشأن العام بالمغرب، بما فيها أحزاب كانت بالأمس القريب تتولى رئاسة الحكومة، واستفادت بدورها من منطق التعيينات الحزبية وتوزيع المسؤوليات داخل قطاعات حساسة، ومنها قطاع التعليم العالي وغيره.
إن العمل الحكومي ليس عملا مثاليا أو خاليا من الأخطاء، فلكل حكومة محاسنها وسلبياتها، ولكل مرحلة إكراهاتها وتحدياتها. غير أن النقد، حتى يكون ذا قيمة سياسية وأخلاقية، ينبغي أن يظل نقدا بناءً، قائما على الموضوعية والإنصاف، بعيدا عن الحسابات الضيقة أو محاولات التبخيس المجاني.
لقد جاءت حكومة عزيز أخنوش في ظرفية اقتصادية واجتماعية ودولية دقيقة، مطبوعة بتداعيات الأزمات العالمية والجفاف وارتفاع الأسعار، ورغم ذلك حاولت، وفق الإمكانيات المتاحة، تقديم أجوبة عملية والحفاظ على التوازنات الكبرى للدولة. وقد يكون من السابق لأوانه إصدار أحكام نهائية على تجربتها، لكن المؤكد أن هذه الحكومة أعطت ما لديها، وأن عددا من مكوناتها، خاصة من الوجوه الشابة، بصمت على حضور سياسي وإداري يستحق التشجيع بدل جلد التجارب الناشئة.
فالسياسة ليست فقط معارضة دائمة أو تصفية حسابات، بل أيضا الاعتراف بالمجهود حين يكون قائما، والرهان على الكفاءات الوطنية الشابة التي اختارت خوض غمار المسؤولية العمومية في زمن صعب ومعقد.