حين يصبح كلُّ من هبَّ ودبَّ خبيراً في المالية… وحين يُراد تعليق «لوبي الأضاحي» في رقبة فوزي لقجع!

كفى عبثاً… كفى خلطاً للأوراق… وكفى توزيعاً للاتهامات بالمجان!

لقد أصبحنا أمام ظاهرة غريبة ومقلقة: كل من امتلك هاتفاً وحساباً على مواقع التواصل الاجتماعي تحول فجأة إلى خبير في المالية العامة، ومهندس لقوانين المالية، ومفتش للحسابات العمومية، بل وصاحب القرار في كيفية إعداد الميزانية وصرفها!

والأغرب من ذلك أن بعض هؤلاء «الخبراء الجدد» وضعوا نصب أعينهم الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، وكأن الرجل يجلس داخل مكتبه ويقرر وحده ماذا تستورد وزارة الفلاحة، وكم تستورد، ولمن توزع، ومن يستفيد، ومن يدعم!

وهنا لا بد من قولها بصراحة:

الميزانية العامة للدولة ليست دفتر شيكات في يد وزير الميزانية!

ومن يريد أن يحاسب المسؤولين، فليبدأ أولاً من أبجديات قانون المالية، وليتعلم من يضع الاعتمادات؟ ومن يقترحها؟ ومن يأمر بالصرف؟ ومن ينفذ؟ ومن يراقب؟ وأين تنتهي مسؤولية كل طرف؟

لأن إطلاق الاتهامات دون معرفة الاختصاصات ليس نقداً سياسياً ولا تحليلاً مالياً… بل هو عبث بالمعلومة وتضليل للرأي العام.

من أين تبدأ الحكاية؟

عندما تنطلق عملية إعداد قانون المالية، لا يستيقظ الوزير المنتدب المكلف بالميزانية صباحاً ليقرر من تلقاء نفسه كم ستأخذ كل وزارة، وماذا ستفعل بتلك الاعتمادات!

هناك مسار مؤسساتي وقانوني واضح.

رئيس الحكومة يوجه التوجيهات والإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية، وتعمل كل وزارة على إعداد حاجياتها وبرامجها وميزانياتها، عبر مصالحها المختصة، قبل أن تدخل المقترحات في مسار المناقشة والتحكيم والإعداد داخل وزارة الاقتصاد والمالية.

وتنقسم الاعتمادات، وفق طبيعتها، إلى نفقات مرتبطة بالتسيير والاستثمار وغيرها، وتخضع العملية برمتها للقواعد التي يؤطرها القانون التنظيمي لقانون المالية.

ثم يأتي مشروع قانون المالية إلى المؤسسات الدستورية المختصة، ويمر عبر مجلس الحكومة، ومجلس الوزراء وفق الحالات التي يحددها الدستور، ثم البرلمان بغرفتيه، قبل أن يستكمل مساره الدستوري والقانوني وينشر في الجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ.

هذه هي الدولة… وهذه هي المؤسسات… وهذا هو القانون.

وليست المسألة أن فوزي لقجع يضع يده على حقيبة وزارة ما ويقول لوزيرها: «اصرف هنا ولا تصرف هناك»!

وهنا تقع الكارثة في الفهم!

بعد فتح الاعتمادات، لا يصبح الوزير المكلف بالميزانية هو الآمر بالصرف في كل وزارة.

لكل قطاع حكومي مسؤولياته واختصاصاته، والآمر بالصرف هو المسؤول عن تنفيذ ميزانية القطاع في حدود الاختصاصات والقواعد القانونية.

فإذا تعلق الأمر بقطاع الفلاحة، فهناك وزارة الفلاحة ومصالحها ومديرياتها المختصة، وهي التي تتحمل مسؤولية السياسات القطاعية والبرامج والإجراءات المرتبطة بها.

ومن هنا نصل إلى ملف الأضاحي واستيراد الأغنام.

هل يعقل أن نختزل ملفاً فلاحياً وحيوانياً وتجارياً وتنظيمياً معقداً في شخص الوزير المنتدب المكلف بالميزانية؟

هل أصبح فوزي لقجع هو وزير الفلاحة؟

هل أصبح هو المسؤول عن تربية المواشي والإنتاج الحيواني والاستيراد والمراقبة والتوزيع؟

وهل أصبح هو الذي يقرر وحده من يستورد الأغنام، ومن يحصل عليها، وكيف توزع، ومن يتولى تنفيذ الإجراءات القطاعية؟

بالطبع لا.

وزارة الاقتصاد والمالية يمكن أن يكون لها دور مالي وقانوني ومواكبة للاعتمادات والإنفاق العمومي وفق الاختصاصات التي يحددها القانون، لكن ذلك شيء، وتحميل الوزير المكلف بالميزانية مسؤولية كل قرار قطاعي تتخذه وزارة أخرى شيء آخر تماماً.

فمن المسؤول إذن؟

إذا كانت هناك شبهة في تدبير ملف الأضاحي، أو اختلالات في الاستيراد، أو استفادة غير مشروعة، أو سوء توزيع، أو تضارب مصالح، أو تبديد للمال العام…

فليكن النقاش بالأسماء والوثائق والاختصاصات والقرارات.

من اتخذ القرار؟

من وقع؟

من أمر بالصرف؟

من منح الترخيص؟

من استفاد؟

من راقب؟

ومن كان ملزماً قانوناً بالتدخل ولم يتدخل؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تطرح.

أما أن نقفز مباشرة إلى فوزي لقجع ونقول: «هو مسؤول عن لوبي الأغنام» أو «هو جزء من فضيحة الأضاحي»، دون تقديم قرار أو وثيقة أو دليل يثبت تدخله في القرار محل الاتهام، فذلك ليس تحقيقاً صحافياً ولا مساءلة سياسية.

إنه إصدار حكم قبل المحاكمة.

لا تجعلوا من قانون المالية شماعة!

المؤسف أن البعض يتحدث عن قانون المالية كما لو أنه وثيقة سرية يكتبها شخص واحد داخل مكتب مغلق!

قانون المالية يمر عبر سلسلة مؤسساتية ودستورية وقانونية، والاعتمادات لا تتحول بمجرد إدراجها في القانون إلى أموال سائبة يمكن لأي وزير أن يضع يده عليها ويصرفها كما يشاء.

هناك قواعد للالتزام والتصفية والأمر بالصرف والأداء، وهناك مسؤوليات وآمرون بالصرف ومراقبة مالية وقواعد للمحاسبة.

وبالتالي، فإن الخلط بين إعداد الميزانية، وفتح الاعتمادات، وتنفيذ النفقة، واتخاذ القرار القطاعي ليس مجرد خطأ تقني بسيط.

إنه خطأ يقود إلى اتهام أشخاص بجرائم أو مسؤوليات لم تثبت في حقهم.

يا سادة… «الخبر مقدس والتعليق حر»

نحن في «بيتنا الآن» لا ندافع عن أحد دفاعاً أعمى، ولا نمنح صكوك براءة لأي مسؤول.

لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تتحول الصحافة إلى محكمة شعبية بلا وثائق.

إذا كانت هناك مسؤولية على فوزي لقجع، فهاتوا الوثيقة.

هاتوا القرار.

هاتوا التأشير.

هاتوا الأمر بالصرف.

هاتوا المراسلة.

هاتوا محضر الاجتماع.

هاتوا الدليل الذي يثبت تدخله في القرار موضوع الاتهام.

أما أن نقول «الميزانية» ثم نشير مباشرة إلى الوزير المكلف بالميزانية، فهذه ليست حجة… هذه مغالطة!

وإذا كان هناك ملف يتعلق باستيراد الأغنام أو بتدبير القطيع الوطني أو بسياسة الأضاحي، فليحاسب كل مسؤول في حدود اختصاصه القانوني، لا في حدود الشائعات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

المحاسبة نعم… لكن لا للمسؤولية بالتقسيط!

نحن مع المحاسبة.

مع افتحاص المال العام.

مع ربط المسؤولية بالمحاسبة.

مع التحقيق في كل شبهة.

مع كشف المستفيدين من أي صفقة أو دعم أو امتياز غير مشروع.

لكننا ضد شيء واحد:

أن يتحول الجهل بالاختصاصات إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.

فليس كل وزير مسؤولاً عن كل شيء.

وليس كل من يوجد في الحكومة مسؤولاً عن كل قرار.

وليس الوزير المكلف بالميزانية «وزيراً لكل الوزارات».

والأخطر من ذلك أن يتم اختزال مؤسسة الدولة بأكملها في شخص واحد، ثم تحميله مسؤولية ملفات تقع في الأصل ضمن اختصاصات قطاعات أخرى، دون دليل يثبت تدخله الشخصي في القرار محل المساءلة.

وفي النهاية…

يا من نصبتم أنفسكم خبراء في المالية العامة بين عشية وضحاها…

اقرؤوا قانون المالية أولاً، ثم تحدثوا.

اقرؤوا القانون التنظيمي لقانون المالية.

تعلموا الفرق بين الاعتماد والإنفاق، وبين الآمر بالصرف والمحاسب العمومي، وبين إعداد الميزانية وتنفيذها، وبين الاختصاص المالي والاختصاص القطاعي.

وبعدها، إذا وجدتم دليلاً يدين فوزي لقجع، فـ«بيتنا الآن» ستكون أول من يطالب بمحاسبته.

أما أن تجعلوا من الرجل «كبش فداء» سياسياً لكل ما وقع في ملف الأغنام والأضاحي لمجرد أنه الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فهذه ليست محاسبة.

هذه هزّة في الفهم قبل أن تكون هزّة في السياسة!

وفي دولة المؤسسات، لا تُوزع المسؤوليات بالصراخ، ولا تُحدد عبر «الترند»، ولا تُبنى على مقاطع مجتزأة.

المسؤولية تُثبت بالاختصاص… والاختصاص يثبته القانون… والإدانة يثبتها الدليل.

وغير ذلك؟

مجرد لغوٍ سياسي وضجيجٌ مالي، يصنع من كل من هب ودب «خبيراً»، ثم يبحث له عن متهم!

«بيتنا الآن» — الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد