في دولة الحق والقانون، لا يُفترض أن يكون الوصول إلى الإدارة امتيازًا، بل حقًا أصيلاً يكفله الدستور ويؤطره مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن ما تعيشه ساكنة بعض أقاليم الجهة الشرقية يطرح أكثر من علامة استفهام، حين يتحول رئيس ديوان عامل الإقليم إلى “حاجب غير معلن”، يقف سداً منيعاً بين المواطن والإدارة الترابية، ويعيد إنتاج ممارسات كان يُفترض أن تكون قد طواها الزمن.
إن مؤسسة العامل، باعتبارها تمثيلاً للسلطة المركزية على المستوى الترابي، وواجهة مباشرة لتدبير الشأن العام المحلي، تقوم في جوهرها على القرب من المواطنين، والاستماع لانشغالاتهم، والتفاعل مع قضاياهم اليومية. غير أن هذا الدور النبيل يتعرض أحياناً للتشويه، عندما يُفرغ من محتواه بفعل ممارسات بيروقراطية ضيقة، يتزعمها بعض رؤساء الدواوين الذين يتصرفون وكأنهم “سلطة فوق السلطة”.
بين النص الدستوري والواقع الميداني
ينص الدستور المغربي، خصوصاً في فصله 27، على حق المواطنات والمواطنين في الوصول إلى المعلومة، كما يكرس مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن فلسفة الإدارة الترابية الحديثة تقوم على تقريب الإدارة من المواطن، لا تعقيد ولوجها.
لكن ما يقع على أرض الواقع، وفق الشهادات المتواترة، يُظهر عكس ذلك تماماً. فالمواطن البسيط، الذي يقطع الكيلومترات ويطرق باب العمالة حاملاً شكايته أو تظلّمه، يصطدم بجدار من الصدّ والرفض، تحت مبررات جاهزة: “العامل في اجتماع”، “العامل مشغول”، أو العبارة الأكثر إثارة للقلق: “العامل لا يستقبل الآن”.
الأخطر من ذلك، أن هذا “الحاجز الإداري” لا يقتصر على المواطنين فقط، بل يمتد ليشمل حتى بعض رؤساء المصالح الإقليمية، الذين يجدون أنفسهم في وضعية محرجة، حين يُمنعون من مقابلة العامل، رغم وجود موعد مسبق أو استدعاء مباشر. هنا، لا نتحدث فقط عن سوء تنظيم، بل عن اختلال واضح في هرم السلطة وتدبير العلاقات داخل الإدارة.
رئيس الديوان: من منسق إداري إلى “صاحب القرار”؟
الأصل في وظيفة رئيس الديوان أن يكون منسقاً للعمل الإداري، ومسهلاً للتواصل بين العامل وباقي الفاعلين، لا أن يتحول إلى “مُقرر فعلي” في من يلتقي بالعامل ومن يُقصى. فحين تُختزل هذه الوظيفة في منطق المنع والتصفية، فإننا أمام انحراف خطير في ممارسة السلطة.
والأكثر إثارة للاستغراب، أن هذا السلوك يصدر أحياناً عن مسؤولين برتبة إدارية متوسطة (خليفة قائد)، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: من يمنحهم هذه السلطة غير المفوضة؟ وهل الأمر يتعلق بتفويض ضمني، أم بتجاوز صريح يستدعي المساءلة؟
أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة واضحة
أمام هذه الوضعية، تبرز مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن القفز عليها:
ما هو موقف وزارة الداخلية من هذه الممارسات التي تعيق ولوج المواطنين إلى الإدارة؟
أين دور والي الجهة في تتبع وضبط أداء المصالح الإدارية التابعة له؟
هل العامل على علم بما يجري باسمه، أم أن هناك “عزلاً إدارياً” يُفرض عليه دون علمه؟
وكيف يمكن الحديث عن إدارة القرب، في ظل وجود حواجز بشرية تُفرغ هذا المفهوم من مضمونه؟
بين هيبة الإدارة وكرامة المواطن
لا أحد يُنكر ضرورة تنظيم الولوج إلى مكاتب المسؤولين، حفاظاً على السير العادي للمرفق العمومي. لكن التنظيم شيء، والمنع التعسفي شيء آخر. فحين يشعر المواطن بالإهانة أو التهميش، فإن ذلك لا يمس فقط شخصه، بل يضرب في العمق صورة الدولة وهيبتها.
إن الإدارة القوية ليست تلك التي تُغلق أبوابها، بل التي تفتحها في إطار من النظام والاحترام المتبادل. وهيبة الدولة لا تُبنى بالحواجز، بل بالثقة.
خلاصة القول
ما تعيشه بعض أقاليم الجهة الشرقية، في هذا السياق، ليس مجرد حالات معزولة، بل مؤشر على اختلال في فهم أدوار المسؤولية داخل الإدارة الترابية. وهو ما يستدعي تدخلاً حازماً لإعادة الأمور إلى نصابها، وضمان أن يبقى “باب العامل” مفتوحاً، كما أراده المشرع، في وجه كل من له حق أو مظلمة.
فالإدارة، في نهاية المطاف، وجدت لخدمة المواطن… لا لتعقيد حياته.