انتصار مستحق لنيجيريا وخروج مُخيّب للجزائر

رأي في حدث

بقلم: حسن الخلقي

جاء فوز المنتخب النيجيري على نظيره الجزائري في ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم تتويجًا منطقيًا لمعطيات الميدان، وانعكاسًا واضحًا لفارق الجاهزية والانضباط التكتيكي بين المنتخبين. نيجيريا دخلت المباراة بخطة واضحة، وتنظيم محكم، وتركيز ذهني عالٍ، بينما ظهر المنتخب الجزائري تائهًا، بلا هوية تكتيكية ولا حلول فنية، ليغادر المنافسة خروجًا مخيبًا لا يرقى إلى حجم التطلعات التي غذّاها إعلامه طيلة الأسابيع السابقة.

الانتصار النيجيري لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة قراءة جيدة للمباراة واستثمار مثالي للأخطاء الجزائرية، سواء في التمركز الدفاعي أو في التحول الهجومي البطيء. في المقابل، عجز المنتخب الجزائري عن فرض إيقاعه، وبدت خطوطه مفككة، وسط غياب الانسجام والنجاعة، وهو ما جعل الهزيمة نتيجة طبيعية لمسار فني مرتبك.

غير أن المثير للاستغراب لم يكن الخروج في حد ذاته، بل ردود الفعل التي تلته. فبدل الاعتراف بأخطاء الاختيارات التقنية وضعف الأداء، سارع بعض المسؤولين والإعلام الجزائري إلى اتهام التحكيم والاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بل وحتى “الدولية” كما جرت العادة، في محاولة مكشوفة للهروب من الحقيقة. هذا الخطاب التبريري، الذي يُحمّل الآخرين مسؤولية الفشل، لم يعد يقنع حتى الشارع الرياضي الجزائري نفسه.

لقد تحوّل اتهام التحكيم إلى شماعة جاهزة تُعلّق عليها الإخفاقات، في مشهد يعكس أزمة أعمق تتجاوز المستطيل الأخضر. فالرياضة في الجزائر، وخصوصًا كرة القدم، لم تعد مجالًا تنافسيًا صرفًا، بل أداة توظيف سياسي ودعائي، يُراهن عليها النظام لإلهاء الرأي العام عن أوضاع اجتماعية صعبة، وتدهور اقتصادي مقلق، وأزمات يومية تمس النقل والقدرة الشرائية والخدمات الأساسية.

كان الرهان الرسمي والإعلامي معقودًا على الذهاب بعيدًا في البطولة، ليس فقط لتحقيق إنجاز رياضي، بل لصناعة لحظة فرح مؤقتة تُغطي على اختلالات الداخل. غير أن الخروج “المذل” من ربع النهائي على يد منتخب منظم وقوي مثل نيجيريا أسقط هذا الرهان، وكشف حدود الخطاب الدعائي الذي لا يصمد أمام واقع الميدان.

إن ما حدث يكرّس قاعدة معروفة: حين تُقحم السياسة في الرياضة، وتُقدَّم الشعارات على العمل القاعدي والتخطيط العلمي، تكون النتيجة خيبة وفشلًا. فالمنتخب الذي يدخل المنافسات بلا رؤية واضحة، وبلا إعداد نفسي وتكتيكي متين، لا يمكنه أن يذهب بعيدًا، مهما ارتفع منسوب التهويل الإعلامي.

انتصرت نيجيريا لأنها احترمت كرة القدم، وخسرت الجزائر لأنها أساءت توظيفها. وهذا هو، في نهاية المطاف، جزاء من يُصرّ على خلط الرياضة بالسياسة، وجعلها أداة دعاية في يد نظام يبحث عن انتصارات وهمية بدل مواجهة أزماته الحقيقية.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد