لم يعد تدبير المغرب لملف الصحراء المغربية قائمًا على ردود الفعل أو انتظار مخرجات المنتظم الدولي، بل أصبح نموذجًا قائمًا على المبادرة والفعل الاستباقي. فقبل اعتماد مجلس الأمن لقراره الأخير بتاريخ 31 أكتوبر 2025، كانت المملكة قد قطعت أشواطًا متقدمة في ترسيخ رؤية استراتيجية متعددة الأبعاد، يقودها جلالة الملك محمد السادس، وتجمع بين الحسم السياسي والتغلغل الاقتصادي في العمق الإفريقي.
قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 2703 (2023)، كرّست بشكل واضح أولوية الحل السياسي الواقعي والعملي القائم على التوافق، مع الإشادة بالجهود “الجدية وذات المصداقية” التي يبذلها المغرب. هذا التوجه الأممي لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة عمل دبلوماسي تراكمي مدعوم بمعطيات ميدانية واقتصادية ملموسة.
فعلى مستوى الأرقام، استحوذت إفريقيا على ما يقارب 60% من الاستثمارات المغربية بالخارج، بقيمة تجاوزت 37 مليار درهم، وهو ما جعل المغرب ثاني أكبر مستثمر إفريقي داخل القارة. كما أن الأبناك المغربية تتواجد اليوم في أزيد من 25 دولة إفريقية، بينما تغطي شركات الاتصالات المغربية عشرات الملايين من المشتركين في غرب إفريقيا، ما يعكس نفوذًا اقتصاديا حقيقيًا يتجاوز الشعارات الدبلوماسية.
هذا الحضور القوي في دول الساحل، خاصة مالي والنيجر، لم يكن معزولًا عن السياق السياسي. فالمغرب، بخلاف قوى إقليمية أخرى ما تزال أسيرة مقاربات إيديولوجية متجاوزة، اختار بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة. لذلك لم يكن غريبًا أن تحظى المبادرة الملكية لسنة 2023، المتعلقة بتمكين دول الساحل من منفذ نحو المحيط الأطلسي، باهتمام متزايد، لما تحمله من أبعاد استراتيجية واقتصادية عميقة.
في المقابل، كشفت هذه الدينامية المغربية محدودية الطرح التقليدي لبعض الأطراف الإقليمية، التي ما تزال تراهن على منطق الاصطفاف السياسي والدعم الظرفي لأطروحات انفصالية، في وقت يتجه فيه العالم نحو منطق المصالح الاقتصادية والتحالفات البراغماتية.
ولم يغفل المغرب البعد الإنساني في هذه المعادلة، حيث رفع عدد المنح الدراسية لفائدة الطلبة الأفارقة، ووسّع برامج تكوين الأئمة، وأسهم في تأهيل أطر مدنية وعسكرية من دول الساحل. كما جاء قرار إلغاء التأشيرة الإلكترونية عن المواطنين الماليين ليؤكد أن الرباط لا تكتفي بالخطاب، بل تنتقل إلى إجراءات عملية تعزز الاندماج الإفريقي الحقيقي.
على مستوى الأقاليم الجنوبية، سجلت مؤشرات التنمية أرقامًا لافتة، حيث تم رصد أكثر من 77 مليار درهم في إطار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، شملت مشاريع كبرى في البنية التحتية والطاقة والموانئ، من بينها مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يُرتقب أن يشكل منصة لوجستية محورية تربط إفريقيا بعمقها الأطلسي.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تدبير دبلوماسي لملف إقليمي، بل هو إعادة تشكيل لموازين القوى داخل القارة الإفريقية. المغرب يراكم النقاط بهدوء، بينما يجد خصومه أنفسهم أمام واقع جديد تفرضه لغة الأرقام لا الشعارات، ومنطق المصالح لا الاصطفافات.