الحوار الاجتماعي بالمغرب… أرقام مُعلنة ونتائج محدودة الأثر

تدخل جولات الحوار الاجتماعي بالمغرب مراحلها الحاسمة، في ظل انتظارات متزايدة للطبقة الشغيلة، غير أن المؤشرات الأولية لمخرجات هذا الحوار توحي باستمرار نفس المقاربة التي طبعت السنوات الأخيرة: إعلان زيادات رقمية، دون أثر هيكلي حقيقي على منظومة الأجور والتقاعد.

لقد أعلنت حكومة عزيز أخنوش، في أكثر من مناسبة، عن حزمة من الإجراءات الاجتماعية، أبرزها رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص بنسبة تقارب 15% على مرحلتين (2023-2025)، إلى جانب زيادات صافية في أجور موظفي القطاع العام تصل في بعض الحالات إلى 1000 درهم موزعة على سنتين. كما تم تخفيض الضريبة على الدخل لفائدة بعض الفئات، خاصة المتقاعدين.

غير أن قراءة متأنية لهذه الأرقام تكشف محدودية أثرها الفعلي. فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن معدل التضخم خلال سنتي 2022 و2023 تجاوز 6% في المتوسط، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية التي تمثل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر ذات الدخل المحدود. وهو ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الزيادات المعلنة تم امتصاصه بفعل غلاء المعيشة.

أما على مستوى الأجور، فتشير تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن أكثر من 60% من الأجراء في المغرب يتقاضون أقل من 3000 درهم شهريًا، وهو ما يعكس هشاشة البنية الأجرية، خاصة في القطاع الخاص. كما يسجل التقرير ذاته تفاوتات مجالية وقطاعية صارخة في توزيع الأجور.

الإشكال الأكثر عمقًا يظل مرتبطًا بطبيعة الزيادات نفسها. فغالبية الإجراءات الحكومية تعتمد على التعويضات أو الزيادات الجزافية، بدل الرفع من الأجر الأساسي. وهذه نقطة تقنية، لكنها حاسمة، لأن الأجر الأساسي هو الذي يُعتمد في احتساب معاش التقاعد. وبذلك، يجد الموظف أو المستخدم نفسه مستفيدًا مرحليًا، لكنه متضرر على المدى البعيد.

في هذا السياق، تؤكد معطيات الصندوق المغربي للتقاعد أن متوسط المعاشات يظل محدودًا، حيث لا يتجاوز في عدد كبير من الحالات 2000 إلى 2500 درهم، مع تسجيل فوارق كبيرة بين الفئات. وهو ما يعمق الإحساس بعدم العدالة الاجتماعية، خاصة لدى فئة المتقاعدين الذين لم تشملهم زيادات موازية تُذكر.

النقابات من جهتها تواصل المطالبة بإصلاح شمولي لمنظومة الأجور، يضمن ربط الأجر الحالي بالمعاش المستقبلي، غير أن هامش التفاوض يظل محكومًا بإكراهات مالية واقتصادية ترفعها الحكومة، خاصة في ظل سعيها للحفاظ على توازنات الميزانية.

في المحصلة، يظهر أن الحوار الاجتماعي، بصيغته الحالية، لم ينجح بعد في تحقيق نقلة نوعية. فالأرقام المعلنة، رغم أهميتها السياسية، لا تُترجم إلى تحسن ملموس في القدرة الشرائية، ولا تعالج الاختلالات البنيوية لسوق الشغل ومنظومة التقاعد.

إن الرهان الحقيقي لم يعد في إعلان زيادات ظرفية، بل في إرساء إصلاح عميق يعيد الاعتبار للأجر الأساسي، ويضمن استدامة أنظمة التقاعد، ويحقق التوازن بين متطلبات العيش الكريم خلال الحياة المهنية وبعدها. دون ذلك، سيظل الحوار الاجتماعي يدور في حلقة مفرغة، تُعاد فيها نفس الحلول، وتتكرر معها نفس الاختلالات.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد