الثلاثية المقدسة عند التجمع الوطني للأحرار

الثلاثية المقدسة عند التجمع الوطني للأحرار

المالية… الفلاحة… الصناعة والتجارة: لماذا لا يريد الأحرار أن يتركوا مفاتيح الاقتصاد؟

بقلم: هيئة تحرير “بيتنا الآن “

لم يعد السؤال اليوم: من سيشكل الحكومة المقبلة؟

بل أصبح السؤال الأكثر إزعاجاً: من يريد أن يمسك بمفاتيحها الاقتصادية؟ ومن يريد أن يحدد من يدخل ومن يخرج من غرف القرار؟

فما كشفه التسريب المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي لم يكن مجرد كلام عابر في جلسة خاصة، إذا ثبتت صحته وسياقه، بل أعاد فتح الباب أمام أسئلة سياسية ثقيلة حول طريقة تفكير بعض النخب في توزيع المناصب الوزارية، وحول تلك العقلية التي تجعل بعض الحقائب وكأنها مناطق نفوذ ممنوع الاقتراب منها.

والأخطر أن الأمر يتعلق بشخص يحتل موقعاً دستورياً بالغ الحساسية، باعتباره رئيس مجلس النواب، وما يترتب عن ذلك من مسؤولية سياسية وأخلاقية مضاعفة.

أن يقسم مسؤول سياسي بأغلظ الإيمان بأن شخصاً معيناً “لن يحلم بوزارة المالية”، فهذه ليست جملة عابرة إذا كانت صحيحة؛ إنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر من الشخص نفسه:

من يقرر من يحلم بالمالية ومن يُمنع من الاقتراب منها؟

ثلاث وزارات… وثلاثة مفاتيح للنفوذ

عندما ننظر إلى المشهد الحكومي خلال السنوات الأخيرة، نجد أن هناك ثلاث حقائب تكتسب في الحسابات السياسية أهمية استثنائية:

وزارة الاقتصاد والمالية.

وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.

وزارة الصناعة والتجارة.

ثلاث وزارات، لكنها في الحقيقة تمثل جزءاً كبيراً من مفاتيح الاقتصاد الوطني.

المالية تتحكم في الميزانية والضرائب والسياسات المالية.

الفلاحة تتحرك داخل قطاعات الدعم والاستثمار والإنتاج الحيواني وسلاسل الغذاء والتصدير والاستيراد والماء والعقار الفلاحي.

والصناعة والتجارة توجد في قلب الاستثمار والتجارة والأسواق والمنافسة والاستيراد والتصدير.

فهل يعقل أن تكون هذه الوزارات الثلاث مجرد صدفة سياسية؟

ربما.

لكن السياسة لا تعيش على “ربما”، وإنما على الوضوح.

والمغاربة من حقهم أن يسألوا.

هل أصبحت الوزارة الاقتصادية غنيمة انتخابية؟

المشكلة ليست في أن يطالب حزب بهذه الوزارة أو تلك.

المشكلة تبدأ عندما يصبح النقاش حول الحقائب وكأنه تفاوض حول ملكية مفاتيح الدولة الاقتصادية.

فالوزارة ليست شركة خاصة، والوزير ليس مالكاً للقطاع، والحزب الذي يشارك في الحكومة لا يشتري معه الوزارة.

إنها مؤسسات عمومية، وميزانيات عمومية، وقرارات تؤثر في حياة ملايين المغاربة.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح بصوت مرتفع هو:

هل يتم اختيار الوزراء بناء على الكفاءة والبرنامج والمصلحة الوطنية، أم بناء على حجم النفوذ الذي تمنحه الحقيبة للحزب؟

عندما يلتقي السياسي برجل الأعمال… تبدأ الأسئلة

التجمع الوطني للأحرار حزب مغربي له حق كامل في المشاركة السياسية، وله أن يقدم مناضليه وكفاءاته، وله أن يدافع عن برامجه.

لكن في المقابل، لا يمكن أن نطلب من الصحافة والمجتمع أن يصمتا أمام سؤال علاقة السياسة بالمال والأعمال.

وجود رجال أعمال داخل الحياة السياسية ليس جريمة.

والثراء ليس جريمة.

والاستثمار ليس جريمة.

لكن الخطر يبدأ عندما لا تكون الحدود واضحة بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.

وهنا يجب أن تكون الدولة أكثر صرامة في مراقبة تضارب المصالح، والصفقات العمومية، والدعم، والامتيازات، والاستيراد والتصدير، والسياسات الضريبية، وكل المجالات التي يمكن أن تتقاطع فيها القرارات الحكومية مع مصالح اقتصادية خاصة.

ليس لأننا نتهم أحداً.

بل لأن الشفافية لا تخاف من الأسئلة.

المالية ليست خزينة حزب

لنقلها دون لف ولا دوران:

وزارة الاقتصاد والمالية ليست خزينة التجمع الوطني للأحرار، كما أنها ليست خزينة أي حزب آخر.

هي خزينة الدولة.

والضرائب التي تجمعها الدولة ليست أموال الحكومة ولا أموال الحزب، وإنما أموال المواطنين والمقاولات.

والقروض التي تتعاقد بشأنها الدولة ليست أموال وزير.

والميزانية ليست ورقة تفاوض حزبية.

ومن ثم فإن منطق “هذه الوزارة لنا” أو “هذه الوزارة خط أحمر” يجب أن ينتهي.

لأن الدولة ليست شركة مساهمة بين الأحزاب.

والفلاحة؟ قصة أخرى

أما الفلاحة، فالقضية أكثر حساسية.

إنها ليست مجرد وزارة للزراعة.

إنها منظومة ضخمة تمتد من الأرض إلى الماء، ومن الفلاح إلى المستورد، ومن الإنتاج إلى السوق، ومن الدعم إلى التصدير، ومن الثروة الحيوانية إلى الأمن الغذائي.

ولهذا، فإن أي حكومة يجب أن تقدم للمغاربة كشفاً واضحاً حول:

من استفاد من الدعم؟

كيف تم توزيع البرامج؟

من استفاد من الصفقات؟

كيف تم تدبير الاستيراد عندما احتاج السوق الوطني إلى ذلك؟

وكيف تمت حماية المنتج الوطني والمستهلك في الوقت نفسه؟

هذه ليست أسئلة عدائية.

هذه هي أسئلة الديمقراطية.

والصناعة والتجارة؟ هنا أيضاً تتجمع المصالح

الصناعة والتجارة ليستا قطاعين هامشيين.

هما بوابة الاستثمار، والأسواق، والمقاولات، والاستيراد، والتصدير، والمنافسة.

ومن الطبيعي أن تكون هذه الوزارة موضع اهتمام الأحزاب.

لكن غير الطبيعي هو أن يشعر المواطن بأن بعض الوزارات أصبحت حقائب سيادية حزبية لا يتم التفاوض حولها إلا بين أصحاب النفوذ.

إذا كانت الكفاءة هي السبب، فليقدموا الكفاءات.

وإذا كان البرنامج هو السبب، فليقدموا البرنامج.

أما أن يصبح المنصب الوزاري نفسه هو المعركة، فهنا يحق لنا أن نسأل:

ماذا وراء المنصب؟

“البقرة الحلوب”… لا يا سادة!

هناك عبارة سياسية صادمة تختصر جزءاً من النقاش: “البقرة الحلوب”.

لكننا في “بيتنا الآن” نقولها بوضوح:

الدولة المغربية ليست بقرة حلوباً لأحد.

لا للأحرار.

ولا للاستقلال.

ولا للأصالة والمعاصرة.

ولا للاتحاد الاشتراكي.

ولا لأي حزب آخر.

ومن يعتبر المال العام بقرة حلوباً، يجب أن يعرف أن وراء المال العام مؤسسات رقابة وقضاء ومحاسبة.

وإذا كانت هناك مخالفات ضريبية، فهناك أجهزة مختصة.

وإذا كانت هناك جرائم مالية، فهناك القضاء.

وإذا كانت هناك صفقات مشبوهة، فهناك آليات رقابية.

وإذا كان هناك تضارب في المصالح، فهناك قوانين يجب تطبيقها.

أما إطلاق الاتهامات بالجملة دون أدلة، فليس صحافة، كما أن إسكات الأسئلة ليس ديمقراطية.

سيذهب الأشخاص… وستبقى الدولة

هذه هي الحقيقة التي يبدو أن البعض ينسى أنها لا تتغير:

كل وزير سيغادر.

كل رئيس حكومة سيغادر.

كل زعيم حزبي سيغادر.

كل برلماني سيغادر.

لكن الدولة ستبقى.

وستبقى المؤسسات.

وسيأتي يوم تُفتح فيه الملفات وفق القانون، ويُسأل كل مسؤول عما فعل، لا عن الحزب الذي ينتمي إليه.

لذلك فإن من يعتقد أن النفوذ السياسي حصانة دائمة يرتكب خطأً تاريخياً.

لا أحد فوق القانون.

التسريب فتح الباب… والمحاسبة يجب أن تغلقه

التسجيل المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، إن ثبتت صحته ولم يكن مجتزأ أو محرفاً، يستحق توضيحاً سياسياً وأخلاقياً، ليس لأن الرجل مجرد سياسي، وإنما لأن الموقع الذي يشغله يفرض مستوى عالياً من المسؤولية.

أما تحويل القضية إلى تصفية حسابات بين الأشخاص، فهو هروب من جوهر المشكلة.

فالجوهر هو:

هل أصبحت هندسة الحكومة خاضعة لمنطق النفوذ؟

هل أصبحت بعض الوزارات مناطق نفوذ حزبية؟

هل أصبحت الثروة عاملاً مؤثراً في صناعة القرار السياسي؟

ومن يراقب تقاطع المصالح بين عالم المال وعالم السياسة؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرح.

الثلاثية المقدسة ليست مقدسة

لقد حان الوقت لأن نقولها دون خوف:

المالية ليست مقدسة.

الفلاحة ليست مقدسة.

الصناعة والتجارة ليست مقدسة.

وحتى الأحزاب ليست مقدسة.

والزعماء ليسوا مقدسين.

والوزراء ليسوا مقدسين.

المقدس الوحيد هو الوطن.

والحقيقة أن أخطر ما يمكن أن يصيب الديمقراطية ليس أن يفشل حزب في الانتخابات، وإنما أن يعتقد حزب ما أن بعض مفاتيح الدولة أصبحت حقاً مكتسباً له.

فالانتخابات لا تمنح ملكية الوزارات.

والحكومة لا تمنح ملكية الاقتصاد.

والحزب لا يرث الدولة.

المناصب تكليف، والمال العام أمانة، والسلطة مسؤولية.

أما من يريد أن يحول السياسة إلى سوق للمناصب، والوزارات إلى مفاتيح للنفوذ، والاقتصاد إلى مجال للمحظوظين، فعليه أن يتذكر أن التاريخ السياسي المغربي لا يرحم، وأن الدولة أكبر من الأشخاص والأحزاب.

وفي النهاية، قد يذهب الزعيم، وقد يذهب الوزير، وقد يسقط الحزب في الانتخابات…

لكن الملفات تبقى.

وتبقى معها الأسئلة.

وتبقى معها المحاسبة.

ويبقى السؤال الذي لن يستطيع أحد إسكاتَه:

لماذا هذه الثلاثية بالذات؟

ولماذا المالية… والفلاحة… والصناعة والتجارة؟

إذا أآن

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد