التحفيظ الجماعي بين المصلحة العامة وشبهة التوظيف الانتخابي

أثارت الحملة التواصلية المكثفة التي رافقت ما سُمّي بـ“التحفيظ المجاني” أو “التحفيظ الجماعي” بإقليم وزان، بإشراف من وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وبتنزيل ميداني من الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، موجة من التساؤلات المشروعة حول خلفيات هذا القرار وحدود شموليته وعدالته المجالية.

من حيث المبدأ، لا يمكن الطعن في قانونية التحفيظ الجماعي، ولا في أهمية هذه الآلية في حماية الملكية العقارية، وتثبيت الحقوق، ومحاربة النزاعات، وإدماج العقار القروي في الدورة الاقتصادية. كما أن الإشراف التقني للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية يضفي على العملية مشروعية إدارية ومؤسساتية لا جدال فيها.

غير أن الإشكال لا يكمن في المبدأ، بل في الانتقائية، ولا في القانون، بل في السياق.

لماذا وزان فقط؟

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح:
لماذا اقتصر هذا “التحفيظ الجماعي المجاني” على إقليم وزان دون غيره من الأقاليم المغربية، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من الهشاشة العقارية، ومن تعقيدات الملكية، ومن غياب التحفيظ الذي يشكل عائقاً أمام الاستثمار والتنمية؟

هل إقليم وزان هو الوحيد الذي يستحق هذا الامتياز؟
وهل باقي الأقاليم أقل حاجة أو أقل أولوية؟

إن غياب قرار وزاري شامل، أو برنامج وطني واضح المعالم، يهم مجموع التراب الوطني أو على الأقل المناطق الأكثر هشاشة، يفتح الباب أمام تأويلات سياسية لا يمكن تجاهلها، خاصة حين يتعلق الأمر بإقليم ينتمي إليه وزير الفلاحة نفسه، والذي يُتداول اسمه بقوة كمرشح محتمل في الانتخابات التشريعية المقبلة باسم حزب التجمع الوطني للأحرار.

من الخدمة العمومية إلى الدعاية المقنّعة

تحوّلت عملية التحفيظ، التي يفترض أن تكون إجراءً إدارياً عادياً يخدم الصالح العام، إلى مادة دعائية تُسوَّق سياسياً، وتُقدَّم للرأي العام المحلي على أنها “مكسب استثنائي” مرتبط بحضور الوزير، لا بسياسة عمومية مؤسساتية.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي:
حين تختلط السياسات العمومية بـالحسابات الانتخابية، وحين تتحول الخدمة العمومية إلى أداة لكسب الولاءات، تفقد الدولة حيادها، وتُضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين والمجالات.

أين العدالة المجالية؟

الدستور المغربي، كما التوجيهات الملكية المتكررة، يؤكدان على مبدأ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين الجهات والأقاليم. فكيف يمكن التوفيق بين هذا المبدأ، وبين قرار يستفيد منه إقليم واحد دون غيره، في غياب معايير معلنة، أو خريطة طريق وطنية واضحة؟

إن أي مسؤول حكومي، حين يقدّم مصلحته السياسية أو الانتخابية المحتملة على المصلحة العامة، يضع نفسه في موضع الشبهة، حتى وإن كان القرار في شكله القانوني سليماً.

أسئلة مشروعة تنتظر الجواب

  • لماذا لم يُصدر وزير الفلاحة قراراً وطنياً يشمل التحفيظ الجماعي في مختلف مناطق المغرب؟

  • ما هي المعايير التي تم اعتمادها لاختيار إقليم وزان دون غيره؟

  • هل نحن أمام سياسة عمومية أم أمام حملة انتخابية سابقة لأوانها؟

  • وأين دور باقي المؤسسات في ضمان حياد الإدارة عن التوظيف السياسي؟

إن التحفيظ الجماعي، كآلية قانونية وتنموية، يجب أن يُنزع عنه كل لبس سياسي، وأن يُؤطر ضمن رؤية وطنية شاملة، لا أن يُستعمل كورقة انتخابية أو رافعة دعائية. فالدولة القوية هي التي تخدم جميع مواطنيها بالمعيار نفسه، لا التي توزّع الامتيازات حسب الجغرافيا الانتخابية.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد