إحداث العمالات والأقاليم.. ثلاثية اجتماعية واقتصادية وديمغرافية، لا مطالب انتخابية!

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن المناداة بإحداث عمالات وأقاليم جديدة، وارتفعت أصوات جمعيات من المجتمع المدني، إلى جانب منتخبين وأعيان، تطالب بإعادة النظر في الخريطة الترابية للمملكة، بدعوى أن عدداً من المناطق أصبحت تتوفر على المؤهلات التي تخول لها الارتقاء إلى مستوى عمالة أو إقليم.

ولا أحد يمكنه أن يعارض مبدأ تقريب الإدارة من المواطن، بل إن هذا المبدأ يشكل أحد المرتكزات الأساسية لأي إصلاح إداري وترابي جاد. غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه، بعيداً عن المزايدات السياسية والحسابات الانتخابية، هو: هل كل منطقة تطالب بإحداث عمالة أو إقليم تتوفر فعلاً على المقومات الموضوعية لذلك؟

في نظرنا، فإن إحداث أي عمالة أو إقليم ينبغي أن يستند إلى ما يمكن تسميته “ثلاثي إحداث العمالة أو الإقليم”: المعيار الاجتماعي، والمعيار الاقتصادي، والمعيار الديمغرافي.

فالمعيار الاجتماعي يرتبط بحجم الحاجيات الأساسية للسكان، ومستوى الخدمات العمومية، ومدى حاجة المنطقة إلى إدارة ترابية أقرب وأكثر نجاعة. أما المعيار الاقتصادي، فيتعلق بقدرة المجال الترابي على إنتاج الثروة، واستقطاب الاستثمار، وتوفير الموارد وفرص الشغل، بما يسمح للإقليم الجديد بأن يكون وحدة ترابية قادرة على الانخراط في التنمية، لا مجرد وحدة إدارية جديدة.

أما المعيار الديمغرافي، فهو عنصر لا يمكن القفز عليه، لأنه يرتبط بحجم الساكنة، وتوزيعها الجغرافي، وكثافتها، ومعدل نموها، ومدى تركز التجمعات السكانية، فضلاً عن المسافات التي تفصل المواطنين عن مراكز الإدارة. فلا يمكن أن يكون عدد السكان وتوزيعهم مجرد أرقام تُستعمل لتبرير مطلب سياسي، وإنما ينبغي أن تكون هناك قراءة ديمغرافية دقيقة تبرر فعلاً إحداث وحدة ترابية جديدة.

وعندما نضع هذه المعايير الثلاثة أمام الخريطة الترابية للمملكة، نجد أن هناك مجالات تستحق أن تُدرس ملفاتها بجدية، بعيداً عن منطق المطالبة العاطفية أو الانتخابية.

ومن بين النماذج التي يمكن أن تكون موضوع دراسة، سوق أربعاء الغرب ومشرع بلقصيري، باعتبارهما مجالاً يمكن أن يشكل نواة ترابية متكاملة لإقليم جديد، ثم هناك دائرة تيفلت وسيدي علال البحراوي، بما يمكن أن توفره من معطيات اجتماعية واقتصادية وديمغرافية تستحق الدراسة.

وهناك أيضاً مجالات أخرى يمكن التفكير فيها بمنطق النواة الإدارية أو الـSous-préfecture، ومنها القصر الكبير، تارجيست، أولوز أو تالوين، أولاد تايمة وأولاد برحيل.

لكن ينبغي هنا التمييز بين مطلب مشروع يروم تقريب الإدارة من المواطن، وبين الرغبة في إحداث عمالة لمجرد أن مدينة أو منطقة أصبحت تتوفر على منتخبين وأعيان وجمعيات تنادي بذلك.

ولعل إقليم تارودانت يقدم نموذجاً واضحاً لهذه الإشكالية.

فالإقليم يتميز باتساع مجاله الترابي، وتشتت الساكنة، وكثرة الجماعات الترابية، وهي وضعية تجعل مسألة تقريب الإدارة من المواطنين أكثر تعقيداً. فعدد الجماعات الكبير، واتساع المساحة، وتباعد المراكز السكانية، كلها عوامل ينبغي أن تدخل في أي دراسة جادة لإعادة النظر في التنظيم الترابي للإقليم.

ولنأخذ مثال إغرم، التي تبعد بمسافة كبيرة عن مقر عمالة تارودانت. فهل يتحقق فعلاً مفهوم تقريب الإدارة من المواطن إذا كان المواطن مضطراً إلى قطع عشرات الكيلومترات من أجل الوصول إلى المصالح الإدارية؟

إن الجواب عن هذا السؤال لا ينبغي أن يكون بالضرورة: إحداث عمالة جديدة.

بل يمكن أن يكون الحل أكثر عقلانية وواقعية، من خلال إحداث نواة عمالة أو Sous-préfecture تتوفر على مصالح إدارية واجتماعية واقتصادية حقيقية، وتمنح لها صلاحيات واسعة لمعالجة الملفات التي تهم المواطنين، مع استمرار التنسيق المؤسساتي مع العمالة الأم.

وهنا، تحديداً، ينبغي إعادة النظر في بعض المطالب الرامية إلى إحداث عمالات في سبت الكردان أو أولاد برحيل أو تالوين أو أولوز.

فهل تتوفر هذه المناطق كلها على الثلاثي المطلوب: الاجتماعي والاقتصادي والديمغرافي؟

إذا كانت بعض المعطيات متوفرة، فإن الأمر يستحق دراسة موضوعية من المؤسسات المختصة. أما إذا كانت بعض العناصر ناقصة، فإن الإصرار على إحداث عمالة كاملة قد لا يكون هو الحل الأمثل.

فالتنظيم الترابي ليس مجرد تقسيم للخريطة، وليس توزيعاً للمناصب والمسؤوليات، ولا ينبغي أن يتحول إلى ورقة انتخابية.

التنظيم الترابي الجيد هو الذي يجعل المواطن أقرب إلى الإدارة، ويجعل الإدارة أكثر قدرة على تحقيق التنمية.

ومن هنا، فإن صيغة النواة الإدارية قد تكون في عدد من الحالات أكثر نجاعة من إحداث عمالة مستقلة بكل أجهزتها ومصالحها وتكاليفها. ويمكن لهذه النواة أن تشكل مرحلة انتقالية، يتم تقييم نتائجها بعد سنوات، فإذا أثبتت المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية أن المنطقة أصبحت تستحق الارتقاء إلى عمالة أو إقليم، آنذاك يصبح القرار أكثر واقعية وموضوعية.

إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى تضخيم عدد العمالات والأقاليم بقدر ما يحتاج إلى إدارة قريبة، وفعالة، ومؤسسات ترابية قادرة على إنتاج التنمية.

ولهذا، فإن أي ورش لإعادة النظر في الخريطة الترابية للمملكة ينبغي أن ينطلق من دراسات دقيقة، لا من الشعارات، وأن يعتمد على معطيات رسمية حول السكان، والكثافة والتوزيع الديمغرافي، والاقتصاد المحلي، والبنيات التحتية، والخدمات العمومية، والمسافات، والقدرة التنموية.

فليس كل مجال واسع يحتاج بالضرورة إلى إقليم جديد، وليس كل تجمع سكاني كبير يستوجب بالضرورة عمالة مستقلة.

والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا الورش واضحة:

لا عمالة لمجرد أن هناك من يطالب بها، ولا إقليم لمجرد وجود ضغط محلي؛ وإنما عمالة أو إقليم عندما تفرض الضرورة الاجتماعية، وتبرر الإمكانات الاقتصادية، وتؤكد المعطيات الديمغرافية، ويكون المستفيد الأول والأخير هو المواطن.

أما حيث لا تكتمل هذه الشروط، فإن النواة الإدارية أو الـSous-préfecture قد تكون الحل الواقعي والأقل كلفة والأكثر انسجاماً مع هدف الدولة في تقريب الإدارة من المواطنين.

إن المطلوب اليوم ليس تغيير الخريطة من أجل تغييرها، وإنما إعادة رسمها عندما تفرض التنمية ذلك.

بيتنا الآن — الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد