من محنة الصحافة إلى لحظة الاختيار…

من محنة القانون ومخاض التمثيلية إلى لحظة الفرز: من يستحق أن يتحدث باسم الصحافة؟ها هو الجسم الصحفي المغربي يقف من جديد أمام صناديق الاقتراع.

هذه المرة لن يكون الأمر متعلقاً بانتخاب مؤسسة سياسية، ولا بمجالس ترابية، ولا بتدبير الشأن العام، وإنما يتعلق بانتخاب من سيتحدث باسم الصحفيين المهنيين والمقاولات الصحفية داخل المجلس الوطني للصحافة.

سبعة ممثلين عن الصحفيين المهنيين، وسبعة عن المقاولات الصحفية.

أربعة عشر مقعداً فقط…

لكن خلف هذه المقاعد تختبئ سنوات من الجدل والمحن والصراعات والأسئلة المؤجلة حول مستقبل الصحافة المغربية، وحول القانون المنظم للمهنة، وحول من يملك شرعية تمثيل أهل المهنة.

ولهذا، فإن اختزال الاستحقاق في أسماء المرشحين سيكون خطأً كبيراً.

المعركة الحقيقية ليست على الكراسي… وإنما على الشرعية.

فالصحافة المغربية لم تصل إلى هذه اللحظة في طريق مفروش بالورود.

لقد عاشت مرحلة عصيبة، اصطدمت فيها المهنة بأسئلة قانونية وتنظيمية ومؤسساتية عميقة، وأصبح الجسم الصحفي في أكثر من محطة يتساءل: إلى أين تسير المهنة؟ ومن ينظمها؟ ومن يحمي استقلاليتها؟ ومن يحاسب من يسيء إليها؟ وكيف يمكن بناء مجلس يستمد قوته من الصحفيين والمقاولات الصحفية، وليس من أي قوة أخرى خارج الجسم المهني؟

هذه الأسئلة لم تكن ترفاً.

كانت أسئلة وجود.

وكانت المحنة التي عاشتها الصحافة المغربية كافية لكي يفهم الجميع أن تنظيم المهنة ليس لعبة مؤسساتية، وأن القانون حين يتعلق بحرية الصحافة واستقلاليتها لا يمكن أن يكون مجرد نصوص جامدة.

القانون ينبغي أن يحمي المهنة.

والمؤسسة ينبغي أن تحمي استقلاليتها.

والصحفي ينبغي أن يحمي شرف المهنة.

والمقاولة الصحفية ينبغي أن تجد في التنظيم المهني ما يساعدها على الاستمرار، لا ما يزيد من أعبائها واختناقاتها.

أما المجلس الوطني للصحافة، فإنه لا ينبغي أن يكون مجرد عنوان مؤسساتي جميل.

إما أن يكون مجلساً قوياً بشرعية الصحفيين والمقاولات الصحفية، وإما أن يتحول إلى هيكل يحمل اسماً كبيراً ويبحث عن دوره.

وهنا يأتي يوم الاقتراع.

اليوم الذي يجب أن تسقط فيه الأقنعة.

فلا يكفي أن يقدم المرشح نفسه باعتباره “صوت الصحافة”.

السؤال هو: أي صحافة؟

صحافة الاستقلالية أم صحافة الاصطفاف؟

صحافة المهنة أم صحافة العلاقات؟

صحافة المؤسسات أم صحافة الأشخاص؟

صحافة المسؤولية أم صحافة تصفية الحسابات؟

فالصحفي الذي سيذهب إلى صندوق الاقتراع يحمل معه أكثر من ورقة.

إنه يحمل مستقبل مهنته.

والمقاولة الصحفية التي ستدلي بصوتها لا تختار عضواً في مجلس فقط، بل تختار من يفترض فيه أن يدافع عن بيئة مهنية واقتصادية تسمح لها بالبقاء والاستمرار.

ومن العبث أن نطالب الصحفي بالاستقلالية، ثم نضعه أمام واقع مهني واقتصادي يجعله هشاً.

ومن العبث أن نتحدث عن صحافة قوية، بينما المؤسسات الصحفية تكافح من أجل البقاء.

ومن العبث أيضاً أن نطالب المقاولة الصحفية بالقيام بدورها، دون أن نضع في الحسبان التحولات العميقة التي عرفها الإعلام، من الصحافة الورقية إلى الرقمية، ومن غرف الأخبار التقليدية إلى منصات التواصل والذكاء الاصطناعي.

المجلس القادم مطالب بأن يستيقظ على صحافة جديدة، لا أن يعيش بعقلية صحافة الأمس.

وهنا تحديداً ستكون مسؤولية الأعضاء المنتخبين ثقيلة.

فالعضوية ليست تشريفاً.

وليست جواز مرور إلى الواجهة.

وليست فرصة لبناء النفوذ.

إنها تكليف.

ومن يتقدم إلى الانتخابات عليه أن يعرف أن الجسم الصحفي لن يمنحه شيكاً على بياض.

سيُنتخب اليوم، وسيُحاسب غداً.

ومن حصل على ثقة الصحفيين والمقاولات الصحفية، عليه أن يتذكر أن تلك الثقة ليست ملكاً شخصياً، وإنما وديعة مهنية.

وفي المقابل، على الناخب أن يتوقف عن التعامل مع صوته باعتباره مجاملة.

لا تصوتوا للصديق لأنه صديق.

ولا للمعروف لأنه معروف.

ولا لمن يملك شبكة علاقات واسعة.

ولا لمن يرفع الشعارات الأعلى.

صوتوا لمن يستطيع أن يواجه، لا لمن يجيد التصفيق.

صوتوا لمن يستطيع أن يقول “لا” عندما تكون “لا” واجبة.

وصوتوا لمن يستطيع أن يقول “نعم” عندما تكون “نعم” في مصلحة المهنة.

صوتوا لمن يفهم أن استقلال الصحافة لا يعني الفوضى، وأن التنظيم لا يعني الوصاية، وأن أخلاقيات المهنة لا تعني خنق حرية التعبير.

لقد دفعت الصحافة المغربية ثمناً باهظاً بسبب سوء الفهم والتجاذب والصراع حول التمثيلية والتنظيم.

ولا ينبغي أن تعود إلى الدائرة نفسها.

فالأسوأ من محنة مررنا بها هو أن نخرج منها دون أن نتعلم شيئاً.

إننا اليوم أمام فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة.

لكن الصفحة الجديدة لا تُكتب بالشعارات.

تُكتب بالاختيار.

وتُكتب بالمسؤولية.

وتُكتب باستقلال القرار.

ولهذا فإن “بيتنا الآن” تقولها بوضوح:

لا نريد مجلساً للصحافة يرضي الجميع… نريد مجلساً يحترم مهنته.

لا نريد أعضاء يبحثون عن رضا الجميع.

نريد أعضاء قادرين على الدفاع عن الصحافة عندما تصبح كلفة الدفاع عنها مرتفعة.

لا نريد مجلساً يعيش على ردود الأفعال.

نريد مؤسسة تستشرف مستقبل المهنة.

ولا نريد أن تتحول الانتخابات إلى مجرد عملية لتغيير الأسماء.

نريد أن تتغير العقلية.

فالمغرب يحتاج إلى صحافة قوية، مستقلة، مهنية ومسؤولة.

ويحتاج إلى مقاولات صحفية قادرة على الاستثمار والاستمرار والتشغيل.

ويحتاج إلى صحفيين يمارسون مهنتهم بكرامة واستقلالية.

ويحتاج إلى مجلس وطني للصحافة يستحق فعلاً كلمة “وطني”.

ولهذا، فإن يوم الاقتراع ليس يوماً عادياً.

إنه يوم امتحان للجسم الصحفي بأكمله.

امتحان للمرشح: ماذا يحمل من مشروع؟

وامتحان للناخب: لمن سيمنح ثقته؟

وامتحان للمجلس المقبل: هل سيستطيع أن يطوي صفحة المحنة فعلاً، أم سيعيد إنتاجها بأسماء جديدة؟

وفي النهاية، لن تكون الصناديق هي التي ستقرر وحدها مستقبل المجلس.

الصحفيون والمقاولات الصحفية هم من سيقررون.

وإذا كان لكل انتخابات رابحون وخاسرون، فإن انتخابات المجلس الوطني للصحافة ينبغي ألا يكون فيها خاسر واحد:

الصحافة المغربية.

أما الرابح الحقيقي، فيجب أن يكون مهنة الصحافة، واستقلاليتها، وكرامة أهلها، وحق المجتمع المغربي في إعلام مهني حر ومسؤول.

فلتتحدث الصناديق.

وليسقط من يسقط.

وليفز من يفوز.

لكن ليكن واضحاً للجميع:

المقاعد الأربعة عشر ستتوزع بين الفائزين… أما شرعية المجلس كله، فلن يمنحها إلا الأداء.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

“بيتنا الآن” الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد