“حين يتحول المرحاض إلى مطعم… أي عبث إداري هذا؟”
في واحدة من الصور الصادمة التي تختزل عمق الاختلالات التدبيرية التي تعاني منها بعض مرافقنا العمومية، تفاجأت ساكنة إحدى مدن الجهة الشرقية بإقدام رئيس قسم الشؤون الاجتماعية بإحدى العمالات على تحويل مرحاض عمومي، كائن بشارع الحسن الثاني، إلى مطعم يدر مداخيل، في سابقة تثير أكثر من علامة استفهام، وتفتح الباب واسعا أمام نقاش جدي حول الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن هذا الفعل، الذي قد يبدو للبعض مجرد “مبادرة فردية”، هو في جوهره اعتداء صريح على مرفق عمومي مخصص لخدمة المواطنين، خاصة الوافدين على المدينة، الذين يجدون أنفسهم اليوم محرومين من حق بسيط وإنساني: مكان لقضاء الحاجة. فهل يعقل أن يتم الإجهاز على هذا الحق تحت مبرر الاستثمار أو الاستغلال؟ وأين هي الجماعة الترابية التي يفترض أنها تسهر على تدبير مثل هذه المرافق؟ وأين دور السلطات المحلية التي لا يمكن أن يمر مثل هذا “التحويل” دون علمها أو صمتها على الأقل؟
الأخطر من ذلك، هو أن المعني بالأمر ليس مجرد مواطن عادي، بل مسؤول إداري يفترض فيه أن يكون أول الحريصين على احترام القانون وصيانة المرفق العام. فبأي صفة يُقدم رئيس قسم الشؤون الاجتماعية على تغيير وظيفة مرفق عمومي؟ ومن منحه الضوء الأخضر لذلك؟ وهل تم احترام المساطر القانونية المتعلقة بتفويت أو استغلال الملك العمومي؟ أم أننا أمام منطق “افعل ما تشاء ما دمت في موقع المسؤولية”؟
ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من يستفيد من مداخيل هذا المطعم؟ هل تدخل إلى خزينة الجماعة؟ أم أنها تذهب إلى جهات أخرى في غياب أي شفافية أو محاسبة؟ وهنا يبرز دور المجلس الأعلى للحسابات، الذي من المفروض أن يفتح تحقيقا في مثل هذه الخروقات، حماية للمال العام، وصونا لحقوق المواطنين.
ولا يمكن إغفال مسؤولية الكاتب العام لعمالة الإقليم، الذي تشير المعطيات إلى أنه يبارك استمرار هذا المسؤول في منصبه لسنوات، رغم ما يثار حوله من علامات استفهام. فهل نحن أمام تواطؤ إداري؟ أم مجرد تساهل غير مبرر؟ وفي كلتا الحالتين، فإن الأمر يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات الوصية.
إن ما وقع ليس حادثا معزولا، بل يعكس ثقافة تدبيرية مقلقة، تقوم على استغلال النفوذ، وتحويل المرافق العمومية إلى مشاريع خاصة، في غياب أي رادع. وهو ما يضرب في العمق مبادئ العدالة المجالية، ويقوض ثقة المواطن في المؤسسات.
إننا اليوم أمام حالة تستوجب فتح تحقيق شفاف ونزيه، وتحديد المسؤوليات، وترتيب الجزاءات. فالمرفق العمومي ليس ملكا خاصا، والوظيفة العمومية ليست امتيازا للاستفادة، بل تكليف لخدمة الصالح العام.
فهل تتحرك الجهات المعنية لوضع حد لهذا العبث؟ أم أن المرحاض سيظل مطعما… إلى إشعار آخر؟