مع كل اقتراب موعد مناقشة ملف الصحراء المغربية داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، يتكرر نفس المشهد: حركية دبلوماسية جزائرية مكثفة، اتصالات هاتفية متسارعة، ولقاءات مباشرة وغير مباشرة، في محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. هذه المرة، يقود وزير الخارجية أحمد عطاف حملة اتصالات واسعة تشمل الدول دائمة العضوية وغير الدائمة، إضافة إلى الأطراف الممولة لبعثة بعثة المينورسو.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: ماذا تريد الجزائر من كل هذا الحراك، وقد حُسمت معالم النزاع سياسياً داخل المنتظم الدولي؟
الواقع أن هذا النشاط الدبلوماسي المكثف لا يعكس قوة موقف بقدر ما يعكس حالة من القلق السياسي. فالجزائر، التي ظلت لعقود تقدم نفسها كـ”طرف غير معني”، تجد نفسها اليوم في موقع دفاعي صريح، بعدما تكرّس داخل مجلس الأمن توصيفها كطرف أساسي في النزاع، وليس مجرد مراقب. وهو تحول نوعي أضعف مناوراتها التقليدية، وضيّق هامش تحركها.
الأكثر دلالة أن التحركات الجزائرية تأتي في سياق دولي تغيّر بشكل واضح. فمجلس الأمن، ومن خلال قراراته المتتالية، لم يعد يتعامل مع النزاع بمنطق الاستفتاء الذي ترفعه الجزائر، بل انتقل إلى مقاربة سياسية واقعية تقوم على الحل التوافقي. وقد تُوّج هذا التوجه بالقرار رقم 2797 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025، والذي كرّس بوضوح مركزية مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب كأرضية جدية وذات مصداقية للحل.
هذا القرار لم يكن مجرد محطة عابرة، بل شكل تحولا استراتيجيا في مسار النزاع، حيث رسخ قناعة دولية بأن مقترح الحكم الذاتي ليس فقط خياراً ممكناً، بل الحل الواقعي الوحيد القابل للتطبيق. وهو ما يفسر الدعم المتزايد الذي يحظى به المغرب من قوى دولية وازنة، سواء داخل مجلس الأمن أو خارجه.
في المقابل، تبدو الدبلوماسية الجزائرية وكأنها تدور في حلقة مفرغة، تعيد إنتاج نفس الخطاب ونفس الأدوات دون قدرة على التأثير الفعلي. فالاتصالات الهاتفية، مهما كثفت، لا يمكنها تغيير موازين قوى تشكلت عبر سنوات من العمل الدبلوماسي المغربي المتراكم، ولا يمكنها أيضاً إقناع المجتمع الدولي بطرح تجاوزه الزمن والواقع.
ثم إن الرهان على الضغط عبر الأطراف الممولة لبعثة المينورسو يعكس بدوره محدودية الخيارات الجزائرية، إذ إن دور البعثة أممي تقني بالأساس، ولا يمكن توظيفه لتغيير المسار السياسي الذي حدده مجلس الأمن. بل إن استمرار الجزائر في هذا النهج قد يُفهم كنوع من محاولة التشويش أكثر منه مساهمة في الحل.
إن المفارقة الكبرى تكمن في أن الجزائر، وهي تكثف تحركاتها، تتجاهل حقيقة بسيطة: أن النزاع دخل مرحلة الحسم السياسي، وأن المجتمع الدولي لم يعد يقبل بإطالة أمده عبر أطروحات متجاوزة. فبدل الانخراط في دينامية الحل، تواصل الجزائر السباحة في “المياه العكرة”، دون إدراك أن هذه المياه نفسها بدأت تجف.
في المحصلة، يمكن القول إن كل هذا الحراك الدبلوماسي لن يغير من جوهر المعادلة شيئاً. فالقرارات الأممية الأخيرة، وعلى رأسها القرار 2797، رسمت ملامح الطريق بوضوح: حل سياسي واقعي، قائم على التوافق، ومبني على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
أما استمرار الجزائر في نفس النهج، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: مزيد من العزلة السياسية، وتكريس موقعها كطرف يستهلك الزمن دون أن ينتج حلاً. وبذلك، فإنها لا تجني من هذا الملف سوى تكرار الصفر… ثم العودة إلى الصفر من جديد.