حين تتضخم المداخيل وتتبخر الحقوق الاجتماعية: لماذا يحتاج مستخدمو المحافظة العقارية إلى مؤسسة مستقلة للأعمال الاجتماعية؟

في الوقت الذي تسجل فيه الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية أرقاما مالية قياسية، وتؤكد حضورها كواحدة من أكثر المؤسسات العمومية مردودية بالمغرب، يطفو على السطح سؤال حارق: أين نصيب العنصر البشري من هذه الطفرة؟ وأي موقع تحتله أوضاعه الاجتماعية في معادلة الإنتاج والربح؟

لقد تجاوز عدد مستخدمي الوكالة عتبة 5000 مستخدم، يشتغل أكثر من 4500 منهم بالمصالح الخارجية، في ظروف مهنية لا ترقى في كثير من الأحيان إلى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. مكاتب تفتقر للتجهيزات، بيئات عمل قاسية، صيف لاهب وشتاء قارس، وضغط يومي متواصل لتأمين خدمات حيوية للمواطنين والاقتصاد الوطني. ومع ذلك، فإن هؤلاء المستخدمين هم العمود الفقري الحقيقي للمداخيل الضخمة التي تحققها المؤسسة، والتي بلغت سنة 2025 ما يفوق 10 مليارات درهم.

لكن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذه المداخيل الهائلة لا تنعكس بالشكل المطلوب على الأوضاع الاجتماعية للمستخدمين. فالأعمال الاجتماعية داخل الوكالة ما تزال تعاني من ضعف بنيوي، وغياب إطار مؤسساتي مستقل قادر على بلورة سياسة اجتماعية منصفة ومستدامة. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى إحداث مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لمستخدمي الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، ككيان مستقل ماليا ومعنويا، يخضع للرقابة المالية للدولة، على غرار ما هو معمول به في قطاعات أخرى.

فإذا كانت قطاعات كالتعليم أو الداخلية أو العدل تتوفر على مؤسسات أعمال اجتماعية قوية، رغم محدودية مواردها واعتمادها الكبير على ميزانية الدولة، فإن من غير المقبول أن تظل وكالة ذات مداخيل ضخمة في ذيل ترتيب الخدمات الاجتماعية. بل إن مستخدمي الوكالة يساهمون بشكل غير مباشر في تمويل خزينة الدولة بمئات المليارات من السنتيمات، دون أن يلمسوا أثرا حقيقيا لذلك على مستوى الخدمات الاجتماعية التي تقدم لهم ولأسرهم.

إن غياب مؤسسة اجتماعية قوية ومستقلة لا يعني فقط ضعف الخدمات، بل يعكس خللا عميقا في تصور العدالة داخل المؤسسة. فالأعمال الاجتماعية ليست امتيازا، بل حقا مكتسبا، ورافعة أساسية لتحفيز الموارد البشرية وضمان استقرارها النفسي والمهني. كما أن الاستثمار في العنصر البشري هو استثمار مباشر في جودة المرفق العمومي واستمراريته.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه النقابة الوطنية للمحافظة العقارية، التي ظلت لسنوات تنبه إلى هذه الاختلالات، وتدق ناقوس الخطر بشأن الوضعية المزرية للأعمال الاجتماعية. نقابة قوية تستمد مشروعيتها من قواعدها، وتضع ضمن أولوياتها تحسين الأوضاع الاجتماعية لمستخدمي القطاع. لكن، ورغم هذا الضغط النقابي، لا تزال الاستجابة دون مستوى الانتظارات.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: من المسؤول عن هذا الوضع؟

هل هي الدولة التي تستفيد من المداخيل دون أن تعيد توزيعها بشكل عادل؟ أم هي الإدارة العامة للوكالة التي لم تعطِ الملف الاجتماعي ما يستحقه من أهمية؟ أم أن الأمر يتعلق بغياب إرادة حقيقية لإصلاح هذا الورش؟

إن إحداث مؤسسة مستقلة للأعمال الاجتماعية لم يعد خيارا، بل ضرورة ملحة تفرضها الأرقام والوقائع. مؤسسة بمقر مركزي في الرباط، وفروع جهوية قادرة على القرب من المستخدمين، تهتم بالصحة، والسكن، والتعليم، والترفيه، وتوفر دعما حقيقيا للمتقاعدين وأسر المستخدمين.

إن الرهان اليوم ليس فقط على تحسين الخدمات الاجتماعية، بل على إعادة الاعتبار للعنصر البشري داخل مؤسسة استراتيجية. فهل تلتقط الإدارة العامة والقطاعات الوصية، وعلى رأسها وزارة المالية ورئاسة الحكومة، هذه الإشارة؟ أم أن دار لقمان ستبقى على حالها، في انتظار انفجار اجتماعي صامت قد يتحول في أي لحظة إلى صوت مدوٍ؟

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد