جرسيف تستحق التغيير… ويوم 23 شتنبر موعدٌ مع كلمة الضمير

هناك لحظات لا يعود فيها الصمت حياداً، بل يتحول إلى مسؤولية. وهناك انتخابات لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد الأصوات التي تُحصد، وإنما بقدرتها على إفراز نخبة تمثل الناس، وتحمل همومهم، وتدافع عن مصالحهم، وتدير الشأن العام بالكفاءة والنزاهة والوعي.

ومن هنا، فإن 23 شتنبر 2026 ليس مجرد موعد انتخابي عابر في أجندة إقليم جرسيف، بل هو موعد مع الضمير، ومع سؤال كبير ينبغي أن يطرحه كل مواطن ومواطنة، وكل مثقف ومثقفة، وكل غيور على مستقبل الإقليم: هل نريد أن نكرر الوجوه والأساليب نفسها، أم نفتح الباب أمام جيل جديد من الكفاءات؟

إن جرسيف، بتاريخها ورجالاتها ونسائها، أكبر من أن تختزل في خريطة انتخابية ترسمها الولاءات الشخصية، أو المصالح الضيقة، أو النفوذ الانتخابي المتوارث.

لقد أنجبت هذه الأرض رجالاً صنعوا صفحات مضيئة في تاريخ المغرب، وفي مقدمتهم البطل الوطني علال بن عبد الله، ورجالاً حملوا اسم جرسيف في ميادين البطولة والوطنية، ومنهم أبطال معارك سجلها التاريخ المغربي بمداد الفخر. فهل يعقل أن يكون هذا الإقليم، بكل هذا الرصيد، عاجزاً عن إنتاج نخبة سياسية محلية قادرة على حمل مشعل المسؤولية؟

السؤال ليس ضد شخص بعينه، ولا ضد فئة اجتماعية بعينها. السؤال ضد منطق سياسي قديم يجعل الكفاءة آخر ما يُسأل عنه، ويجعل المال والولاءات والقدرة على صناعة شبكات انتخابية معياراً للنجاح.

وإذا كانت هناك ملاحظات وشكايات متداولة حول تأثير بعض الأعيان وأصحاب النفوذ في الخريطة الانتخابية، أو حول استعمال المال والمصالح الشخصية لاستمالة الناخبين، فإن مكانها الطبيعي هو التحقيق القانوني والرقابة والمؤسسات المختصة، لا الإدانة المسبقة ولا تصفية الحسابات.

لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو: لماذا يترك المثقف المجال لغير الكفء؟

لماذا نرى بعض أبناء الطبقة المتعلمة ينتقدون المنتخبين في المجالس والصالونات، ثم عندما تأتي لحظة الانتخابات ينسحبون إلى الخلف، ويتركون الساحة لمن يمتلك المال والشبكات والقدرة على شراء الولاءات؟

أين المثقفون؟

أين الأساتذة؟

أين المحامون والأطباء والمهندسون والموظفون والفاعلون الجمعويون والطاقات الشابة؟

أين النساء اللواتي أثبتن أنهن قادرات على تحمل المسؤولية؟

وأين الأعيان الذين يستطيعون، بدل توظيف نفوذهم لصالح أشخاص بعينهم، أن يوظفوا مكانتهم لصالح جرسيف؟

إننا في «بيتنا الآن» لا ندعو إلى إسقاط شخص لأنه غني، ولا إلى إقصاء شخص لأنه لم يحصل على تعليم عالٍ؛ فالمواطنة حق للجميع، والكفاءة لا تُقاس بالشهادة وحدها. لكننا ندعو إلى شيء أبسط وأعمق: أن يكون معيار الاختيار هو القدرة على خدمة الناس، والنزاهة، والكفاءة، والاستقامة، والبرنامج، والمحاسبة.

فالانتخابات ليست بورصة للأصوات، وليست سوقاً للمصالح، وليست وسيلة لبناء الإمبراطوريات الشخصية.

الانتخابات تكليف، وليست تشريفاً.

ومن المؤسف أن يتحول بعض الناخبين إلى مجرد أرقام في دفاتر المرشحين، وأن تصبح بعض العلاقات الانتخابية قائمة على منطق: «أعطيك اليوم لتخدمني غداً»، بدل أن تقوم على سؤال واحد: ماذا ستقدم لجرسيف؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي جماعة ترابية هو أن يصبح الرئيس واجهة، بينما تُدار الخيوط من وراء الستار. والأخطر من ذلك أن يقبل المواطن بهذا الواقع وكأنه قدر محتوم.

لا، ليس قدراً.

التغيير ممكن، وصندوق الاقتراع هو الأداة.

لكن التغيير لا يصنعه الكلام في المقاهي، ولا المنشورات الغاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا النقد في غياب أصحاب القرار. التغيير يصنعه المواطن عندما يدخل إلى مكتب التصويت ويضع صوته حيث يعتقد أن مصلحة مدينته وقريته وإقليمه.

ولهذا نقولها بوضوح إلى مثقفي جرسيف ونسائها ورجالها وشبابها: لا تكتفوا بالنقد. شاركوا. ترشحوا. ادعموا الكفاءة. ناقشوا البرامج. راقبوا المال الانتخابي. واجهوا شراء الذمم بالوعي، لا بالعنف.

ونقول للأعيان: إن كان لكم نفوذ، فاجعلوه في خدمة الإقليم، لا في خدمة الأشخاص.

ونقول للمثقفين: لا تتركوا الساحة فارغة ثم تشتكوا من الذين ملؤوها.

ونقول للناخب: لا تبع مستقبلك ومستقبل أبنائك من أجل منفعة عابرة.

إن جرسيف لا تحتاج إلى «إمبراطور انتخابات» جديد، ولا إلى شخص يتحكم في الخريطة من وراء الستار، ولا إلى مجالس يتحول فيها المنتخب إلى تابع لمن أوصله إلى الكرسي. جرسيف تحتاج إلى منتخب حر، مستقل، كفء، يعرف لماذا دخل الجماعة، وماذا يريد أن يقدم لها، ويقبل أن يُحاسب على ما وعد به.

والذين يعتقدون أن الانتخابات ستبقى حكراً على الوجوه نفسها، عليهم أن يتذكروا أن التاريخ السياسي لا يرحم من يستهين بإرادة المواطنين.

23 شتنبر 2026 قد يكون يوم استمرار الواقع، وقد يكون يوم بداية التغيير.

والقرار ليس في يد «أباطرة الانتخابات»، ولا في يد أصحاب المال، ولا في يد المتحكمين في الكواليس.

القرار في يد الناخب.

فيا أحرار جرسيف وحرائرها، لا تجعلوا أصواتكم مجرد أرقام في دفاتر الآخرين.

قولوا كلمتكم.

اختاروا من ترونه جديراً بالمسؤولية، لا من اعتدتم رؤيته في الحملات الانتخابية.

اختاروا الكفاءة بدل الولاء، والبرنامج بدل الوعود، والنزاهة بدل المصالح، والاستقلالية بدل التبعية.

جرسيف تستحق أفضل من أن تُدار بمنطق الأشخاص.

جرسيف تستحق أن تُدار بمنطق المؤسسات.

وجرسيف تستحق أن يكون يوم 23 شتنبر 2026 يوم انتصار الوعي على المال، والكفاءة على الولاء، والمصلحة العامة على المصالح الخاصة.

التغيير… ثم التغيير.

فهل يقول أبناء جرسيف كلمتهم هذه المرة؟

«بيتنا الآن» تقول: لا تنتقدوا بعد 23 شتنبر من اخترتم قبل 23 شتنبر. اختاروا اليوم من تريدون أن تحاسبوه غداً.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد