يُجمع عدد من المتتبعين للشأن المحلي بإقليم جرسيف على أن تعيين عبد السلام حتاش على رأس العمالة شكّل لحظة أمل حقيقية لساكنة أنهكها التهميش لسنوات طويلة. فالرجل، القادم من مدرسة التكوين الصارم داخل وزارة الداخلية، وخريج المعهد الملكي للإدارة الترابية، راكم تجربة ميدانية عبر مختلف ربوع المملكة، ما جعله يحظى بصورة “الإطار الكفء” القادر على إحداث القطيعة مع اختلالات الماضي.
غير أن هذا الأمل، الذي رافق وصول العامل الجديد، لم يلبث أن اصطدم بواقع إداري معقد، تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه شبكات النفوذ داخل دهاليز عمالة الإقليم. فبحسب ما يروج في الأوساط المحلية، برز ما يشبه “لوبي داخلي” يُتهم بعرقلة دينامية الانفتاح التي حاول العامل إرساءها، خصوصاً ما يتعلق بسياسة “الباب المفتوح” والإنصات المباشر لنبض الشارع الجرسيفي.
هذا المعطى يطرح سؤالاً جوهرياً: إلى أي حد يمكن للمسؤول الترابي، مهما كانت كفاءته ونواياه الإصلاحية، أن ينجح في ظل مقاومة داخلية صامتة؟ فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تشخيص أعطاب التنمية بالإقليم، بل في تفكيك البنيات غير الرسمية التي تستفيد من استمرار الوضع القائم، والتي قد ترى في أي تغيير تهديداً مباشراً لمصالحها.
إن الحديث عن “ثلاثي نافذ” – كما يتم تداوله محلياً – لا ينبغي أن يُفهم فقط كاتهام أشخاص بقدر ما هو مؤشر على إشكالية أعمق تتعلق بالحكامة داخل الإدارة الترابية. فحين تصبح المعلومة محجوبة، وقنوات التواصل مع الساكنة مُفلترة، يفقد القرار الإداري دقته، وتتحول النوايا الإصلاحية إلى مشاريع معطلة قبل أن ترى النور.
وفي المقابل، يُسجل أن العامل حاول، منذ تعيينه، إرساء مقاربة جديدة تقوم على الانفتاح والتواصل، وهو ما يعكس انسجاماً مع التوجهات العامة للدولة الرامية إلى تقريب الإدارة من المواطن وتعزيز الثقة في المؤسسات. غير أن هذه المقاربة، لكي تنجح، تحتاج إلى جهاز إداري منسجم، لا إلى أطراف تشتغل بعقلية “التحكم” و”الوساطة” بدل الشفافية.
جرسيف اليوم تقف عند مفترق طرق: إما أن تنخرط فعلياً في مسار التنمية الذي تتطلع إليه ساكنتها، أو أن تظل رهينة صراعات خفية تعرقل كل مبادرة إصلاحية. وهنا يبرز دور الحزم الإداري كخيار لا مفر منه. فإعادة ترتيب البيت الداخلي للعمالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يظلان شرطين أساسيين لكسر حلقة الجمود.
إن الرهان الحقيقي لا يتعلق بشخص العامل فقط، بل بمدى قدرة المنظومة ككل على التفاعل مع إرادة التغيير. فالتنمية لا يمكن أن تُختزل في خطابات أو نوايا، بل تحتاج إلى بيئة إدارية نظيفة، شفافة، ومنفتحة على محيطها.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح عامل إقليم جرسيف في تجاوز هذه العراقيل الداخلية وفرض منطق الإصلاح، أم أن “لوبيات الظل” ستواصل شد الحبل إلى الخلف؟
سؤال يستحق المتابعة… وللحديث بقية.