في دولة المؤسسات والقانون، لا تُبنى الشرعية فقط على النصوص، بل على روحها أيضاً. ومن هذا المنطلق، فإن مسطرة التمديد في مناصب المسؤولية داخل الإدارة العمومية بالمغرب لم تُشرّع لتكريس الريع الوظيفي أو لإنتاج “مسؤولين أبديين”، بل جاءت كآلية استثنائية، تُفعَّل في حالات الضرورة القصوى، لضمان استمرارية المرفق العام والحفاظ على التوازن المؤسساتي.
من الناحية القانونية، يظل رئيس الحكومة صاحب الاختصاص الأصيل في منح التمديد للمسؤولين بعد بلوغ سن التقاعد، وفق شروط محددة، وبسقف زمني واضح: فترتان كحد أقصى، مدة كل واحدة سنتان، أي ما مجموعه أربع سنوات. وهي مدة كافية، بل أكثر من كافية، لتهيئة الخلف، ونقل الخبرة، وضمان انتقال سلس للمسؤولية.
غير أن ما يثير الاستغراب، بل ويطرح أكثر من علامة استفهام، هو ما يحدث داخل إحدى المؤسسات العمومية الاستراتيجية، حيث استفاد كاتبها العام من التمديد لست مرات متتالية، أي ما يعادل 12 سنة كاملة بعد التقاعد… في سابقة تكاد تُخرج النص القانوني من معناه، وتدفع نحو إعادة طرح سؤال الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أي منطق هذا الذي يحول الاستثناء إلى قاعدة؟ وأي رسالة تُبعث للأطر والكفاءات الشابة داخل هذه المؤسسة، وهي ترى مساراتها المهنية مُغلقة بفعل “تمديد دائم”؟ بل أكثر من ذلك، كيف يمكن الحديث عن تجديد النخب وضخ دماء جديدة في الإدارة، في ظل استمرار نفس الوجوه لعقود، تحت مبررات لم تعد تقنع أحداً؟
إن المقارنة مع ما يجري في الدول المتقدمة تفضح حجم المفارقة. ففي تلك الأنظمة، لا يشفع للمسؤول، مهما بلغت كفاءته أو مكانته العلمية، أن يستمر خارج الأطر القانونية المحددة. بل يُعتبر التداول على المسؤولية جزءاً من الدينامية المؤسساتية، وعنصراً أساسياً في تجديد الرؤية وضمان النجاعة. هناك، يُحال المسؤول على التقاعد، فيُكرَّم ويُحتفى بعطائه، ويُفسح المجال لغيره لاستكمال المسيرة.
أما عندنا، فبعض الحالات تكاد تُؤسس لنمط جديد من التدبير: “وظائف بلا نهاية”، أو “مناصب مدى الحياة”، وإن لم يُنص عليها صراحة. وهو ما يدفع، بنبرة لا تخلو من سخرية سوداء، إلى التساؤل: أليس من الأجدر إصدار مرسوم خاص يُكرّس هذا المنصب كوظيفة دائمة، ما دام التمديد أصبح مفتوحاً بلا سقف؟
إن استمرار مثل هذه الوضعيات لا يسيء فقط لصورة الإدارة، بل يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويغذي الإحساس بالإحباط داخل صفوف الأطر، ويفتح الباب أمام التأويلات حول وجود شبكات نفوذ قادرة على الالتفاف على القوانين.
وعليه، فإن المسؤولية اليوم تقتضي فتح نقاش جدي وشفاف حول معايير التمديد، وتفعيل آليات المراقبة والمساءلة، حتى لا تتحول الرخص الاستثنائية إلى امتيازات دائمة، تُفرغ النصوص القانونية من محتواها، وتُفقد الإدارة روحها التجديدية.
فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، لا يمكنها أن تقبل باستمرار “الاستثناء المزمن”، لأن الاستثناء، حين يطول، يتحول إلى خلل… والخلل، حين يُترك دون تصحيح، يتحول إلى قاعدة يصعب كسرها.