في مشهد يثير الكثير من التساؤلات، تبدو الجزائر، وهي من أكبر الدول الإفريقية الغنية بالثروات الطبيعية، عالقة في مفارقة صارخة بين الإمكانات الهائلة والواقع المعيشي الصعب. بلد يطفو على احتياطات معتبرة من الغاز الطبيعي والبترول، لكنه يعاني في المقابل من أزمات تموينية متكررة، تجسدها طوابير المواطنين أمام مواد أساسية كالحليب والزيت، في صورة لا تنسجم مع حجم الموارد ولا مع تطلعات الشعب.
إن الإشكال في الجزائر اليوم لا يرتبط بندرة الموارد، بل بطريقة تدبيرها وتوجيهها. فبدل أن تُسخر العائدات الطاقية لإرساء نموذج اقتصادي متنوع ومستدام، ظل الاقتصاد رهين الريع، محدود الابتكار، هشّ أمام تقلبات الأسواق العالمية. هذا الوضع انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن، وعلى مؤشرات التنمية، التي لا تزال دون مستوى الطموح.
غير أن ما يزيد الوضع تعقيدا، هو ما يراه كثير من المتتبعين انشغالا مفرطا للنظام الجزائري بقضايا خارجية، وعلى رأسها تتبع كل ما يحققه المغرب من تقدم في مجالات متعددة. فكل نجاح مغربي، سواء كان دبلوماسيا أو اقتصاديا أو رياضيا أو ثقافيا، يقابله في الجزائر خطاب متشنج أو محاولات للتقليل من شأنه، بدل استثماره كحافز لإصلاح الداخل.
وفي خضم هذا التوتر، برزت ظاهرة أخرى لا تقل إثارة للجدل، تتمثل في محاولات نسب عناصر من التراث المغربي الأصيل، كالقفطان والزليج والكسكس وحتى طقوس الشاي، إلى روايات مغايرة. وهي محاولات تصطدم اليوم بواقع رقمي جديد، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً مفتوحا لكشف الحقائق وتوثيق الأصول، بعيدا عن الخطاب الرسمي أو التوظيف السياسي.
في المقابل، يواصل المغرب، وفق رؤية هادئة، مسار البناء المؤسساتي وتعزيز اختياراته الديمقراطية والتنموية، مستندا إلى استقرار سياسي وإرادة إصلاحية تراكمية. مسار لا يخلو من تحديات، لكنه يسير بخطى متدرجة، بعيدا عن الضجيج، وقريبا من منطق الإنجاز.
إن مستقبل الشعوب لا يُبنى بالصراعات الهامشية ولا بتغذية الخلافات، بل بالتركيز على الإنسان، وتحقيق الكرامة الاقتصادية، وتكريس الحكامة الجيدة. والجزائر، بما تملكه من مؤهلات، قادرة على أن تكون قوة إقليمية حقيقية، إذا ما أعادت ترتيب أولوياتها، ووجهت بوصلتها نحو الداخل بدل الارتهان لمنطق الصراع.
فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لم تعد تقبل بتبرير الإخفاقات بشماعات الخارج. وفي زمن المكاشفة، لم يعد ممكنا إخفاء الحقائق، لأن صوت الواقع أعلى من كلد خطاب.،