التواصل المؤسساتي بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية: أسئلة الحكامة والشفافية في تدبير الإشهار العمومي
أصبحت وظيفة التواصل المؤسساتي داخل الإدارات العمومية والمؤسسات العمومية والخاصة من الوظائف الإستراتيجية التي تضطلع بأدوار محورية في بناء صورة المؤسسة، وتدبير علاقتها بوسائل الإعلام، وضمان حق المواطنين والمرتفقين في الحصول على المعلومة. لذلك جرت الأعراف الإدارية الحديثة على إسناد مسؤولية التواصل إلى أطر متخصصة في الإعلام والتواصل والعلاقات العامة، تتوفر على تكوين أكاديمي ومهني يؤهلها لممارسة هذه المهام الدقيقة والحساسة.
وفي هذا السياق، تثار داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية العديد من التساؤلات حول المعايير التي تم اعتمادها في تدبير قطاع التواصل بالمؤسسة، خاصة بعدما تحولت خلية التواصل مع مرور الوقت إلى قسم إداري ذي اختصاصات واسعة، في حين يرى عدد من المتتبعين أن المسؤولية أسندت إلى إطار تم توظيفه أصلاً لممارسة مهام أخرى مرتبطة بالمحافظة العقارية.
وتزداد هذه التساؤلات حدة عندما يتعلق الأمر بتدبير ميزانية الإشهار والتواصل، باعتبارها أموالاً عمومية يفترض أن تخضع لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة. فهل توجد معايير موضوعية ومعلنة لتوزيع الإعلانات والإشهارات على وسائل الإعلام الورقية والإلكترونية؟ وهل يتم اعتماد مؤشرات واضحة مرتبطة بنسبة الانتشار والمهنية والتأثير الإعلامي؟ أم أن الأمر يظل رهيناً بعلاقات وتقديرات غير معلنة؟
إن تدبير الإشهار العمومي لم يعد شأناً تقنياً بسيطاً، بل أصبح من الملفات التي تستوجب أعلى درجات الحكامة، لما له من تأثير مباشر على المشهد الإعلامي وعلى استقلالية بعض المنابر الصحفية التي تعتمد في جزء من مواردها على الإعلانات العمومية.
ومن هنا يبرز دور أجهزة الرقابة المالية والإدارية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، في التحقق من مدى احترام قواعد الشفافية والنجاعة في صرف الاعتمادات المالية المخصصة للتواصل والإشهار، كما يبرز دور المصالح الحكومية المختصة في تتبع كيفية تدبير المؤسسات العمومية لميزانياتها، والتأكد من انسجامها مع القوانين والأنظمة الجاري بها العمل.
ولا يتعلق الأمر بإطلاق أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات جاهزة لأي مسؤول، بقدر ما يتعلق بطرح أسئلة مشروعة حول الحكامة الجيدة وحسن تدبير المال العام، وهي أسئلة تزداد مشروعيتها كلما تعلق الأمر بمؤسسة عمومية تتولى تدبير مرفق حيوي يرتبط بالأمن العقاري للمواطنين والاستثمارات.
ويبقى الرأي العام المهني والإعلامي في انتظار مزيد من التوضيحات بشأن معايير تدبير التواصل والإشهار داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، والكشف عن الأسس المعتمدة في توزيع الاعتمادات المالية المخصصة لهذا المجال، بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص وترشيد النفقات العمومية.
ولنا عودة إلى هذا الملف من خلال التطرق إلى معطيات أخرى مرتبطة بتدبير ميزانية الإشهار والتواصل، في إطار حق الرأي العام في المعلومة واحترام الضوابط القانونية والمؤسساتية المؤطرة لتدبير المال العام.