افتتاحية «بيتنا الآن» خريجو معاهد الصحافة والإعلام.. كفاءة أكاديمية على مقاعد الانتظار وبطاقة مهنية تثير الأسئلة!

 

من ينصف خريجي معاهد الصحافة والإعلام؟ ومن يجيب عن أسئلة شباب اختاروا الدراسة الأكاديمية ليصبحوا صحافيين، فإذا بهم يصطدمون بواقع مهني لا يفتح أمامهم الأبواب بمجرد التخرج؟

كثر القيل والقال حول الصحافة والصحافيين، وامتدت النقاشات إلى المقاولات الإعلامية، وجمعيات الناشرين، وبطاقة الصحافة المهنية، والمجلس الوطني للصحافة، وشروط الولوج إلى المهنة. وعُقدت الاجتماعات، وخيضت المعارك، وصيغت القوانين، وتوالت النقاشات حول تنظيم القطاع وتخليق الممارسة الصحافية، لكن سؤالاً جوهرياً ما يزال يستحق أن يُطرح بجرأة ومسؤولية: أين موقع خريجي مؤسسات التكوين الأكاديمي المتخصص في الصحافة والإعلام من كل هذا التنظيم؟

في جريدة «بيتنا الآن»، باعتبارها مقاولة صحافية، لا نطرح هذا السؤال دفاعاً عن امتياز غير مستحق، ولا اعتراضاً على ضرورة تنظيم المهنة واحترام أخلاقياتها وقوانينها، وإنما انطلاقاً من مبدأ واضح: لا يمكن الحديث عن تأهيل الصحافة المغربية وتطويرها، في الوقت الذي لا يُمنح فيه التكوين الأكاديمي المتخصص المكانة التي يستحقها في مسار الولوج إلى المهنة.

لقد اختار خريجو المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، بسلكيه العادي والعالي، والمعهد العالي للصحافة والإعلام بالدار البيضاء، التابع للقطاع الخاص، أن يسلكوا طريق الدراسة والتكوين المتخصص. قضوا سنوات في اكتساب المعارف النظرية والتطبيقية، وتعلموا تقنيات التحرير الصحافي، وأصول البحث والتحقق، وقواعد أخلاقيات المهنة، ومبادئ الاتصال والإعلام.

فما الذي ينتظرونه بعد التخرج؟ وهل يعقل أن يظل التكوين الذي تلقوه غير كافٍ، في حد ذاته، للحصول على بطاقة الصحافة المهنية، وأن يجدوا أنفسهم مطالبين باستيفاء شروط إضافية قبل الاعتراف لهم بهذه الصفة؟

إن السؤال هنا ليس موجهاً ضد الصحافيين الذين ولجوا المهنة عبر مسارات أخرى، ولا ينتقص من خبرة المهنيين الذين راكموا سنوات من العمل والممارسة. فالتجربة الميدانية رصيد لا يُستهان به، والتكوين الأكاديمي قيمة لا يجوز تبخيسها. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن خريج مؤسسة متخصصة في الصحافة والإعلام ينبغي أن يحظى بمسار واضح ومنصف يربط بين مؤهلاته العلمية وإمكانية ولوجه إلى المهنة.

إننا لا نطالب بإلغاء القانون، بل نطالب بمراجعة كل مقتضى أو ممارسة قد تجعل الشهادة المتخصصة مجرد ورقة معلقة على جدار، بدل أن تكون جسراً حقيقياً نحو العمل الصحافي.

ولأننا نحتكم إلى القانون، فإننا نذكّر بأن المجلس الوطني للصحافة يتولى اختصاص منح بطاقة الصحافة المهنية، وأن المسطرة المعمول بها تتضمن شروطاً ووثائق محددة، من بينها ما يتعلق بالتكوين والممارسة المهنية. كما أن المسطرة المنشورة على موقع المجلس تشير إلى شروط خاصة بالصحافي المهني المتدرب، تختلف بحسب المؤهلات الدراسية ومدة الممارسة. وهذه المعطيات تجعل النقاش حول علاقة الشهادة الأكاديمية بالولوج إلى المهنة نقاشاً مشروعاً يستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً.

لكن السؤال الذي نضعه أمام المجلس الوطني للصحافة، وجمعيات الناشرين والمقاولات الإعلامية، وجمعية خريجي المعهد العالي للإعلام والاتصال، هو: لماذا لا يُفتح نقاش جدي حول إقرار مسار مهني خاص وواضح لخريجي معاهد الصحافة والإعلام، يضمن لهم الاستفادة من تكوينهم، ويسهل اندماجهم في المقاولات الصحافية، دون التفريط في شروط الممارسة القانونية وأخلاقيات المهنة؟

أليس من واجب المؤسسات المعنية أن تتدارس إمكان إحداث نظام للتدريب المهني المنظم، بشراكة مع المقاولات الصحافية، يتيح للخريج فرصة حقيقية لإثبات كفاءته، ويحدد له آجالاً واضحة للانتقال من التكوين إلى الممارسة المهنية؟

وأليس من حق هؤلاء الخريجين أن يعرفوا، قبل اختيار هذا المسار الدراسي، ما الذي ينتظرهم بعد التخرج، وما القيمة المهنية الفعلية لشهاداتهم، وما الشروط الدقيقة التي ينبغي استيفاؤها للحصول على بطاقة الصحافة؟

ثم أين دور جمعيات الناشرين في هذا الملف؟ وأين دورها في تشجيع المقاولات الإعلامية على احتضان الخريجين، وتوفير فرص التدريب والتشغيل، بدل أن تبقى العلاقة بين المؤسسات الأكاديمية والمقاولات الصحافية محكومة بالمبادرات المتفرقة؟

إننا في «بيتنا الآن» نؤمن بأن الصحافة ليست بطاقة تُعلّق على الصدر، ولا شهادة جامعية تُحفظ في ملف، ولا مجرد مقاولة تحمل اسماً إعلامياً. الصحافة مسؤولية، ومعرفة، وممارسة، والتزام بالحقيقة وأخلاقيات المهنة. لكننا نؤمن، بالقدر نفسه، بأن التنظيم المهني ينبغي أن يفتح الأبواب أمام الكفاءات، لا أن يجعل الانتقال من مدرجات المعاهد إلى مكاتب التحرير رحلة طويلة من الانتظار والغموض.

ومن هنا، فإننا ندعو المجلس الوطني للصحافة والهيئات المهنية ومؤسسات التكوين إلى فتح حوار مؤسساتي مسؤول حول هذا الملف، ونشر توضيحات دقيقة بشأن شروط حصول الخريجين على البطاقة المهنية، والتمييز بين الشهادة الأكاديمية التي تثبت التكوين المتخصص والبطاقة التي تثبت الصفة المهنية وفق القانون.

كما ندعو إلى دراسة إمكانية إقرار تدابير انتقالية أو مسار مهني منظم لفائدة الخريجين الجدد، بما يحقق الإنصاف ويصون جودة الممارسة الصحافية، مع احترام المقتضيات القانونية الجاري بها العمل.

إن الخريجين لا يطلبون صدقة مهنية، ولا امتيازاً خارج القانون؛ إنهم يطالبون بأن تكون لشهاداتهم قيمة عملية، ولتكوينهم فرصة حقيقية، ولمستقبلهم المهني أفق واضح.

وإذا كانت الصحافة المغربية تريد تجديد دمائها، وتطوير محتواها، والارتقاء بأدائها، فإن أول خطوة في هذا الاتجاه هي الإنصات إلى شباب اختاروا الإعلام دراسةً وتكويناً، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام سؤال مؤلم: درسنا الصحافة، وتخصصنا فيها، وتخرجنا من معاهدها، فمتى تصبح الطريق إلى المهنة واضحة أمامنا؟

ذلك هو السؤال الذي تضعه «بيتنا الآن» على طاولة المجلس الوطني للصحافة وجمعيات الناشرين وخريجي معاهد الإعلام والاتصال. والسؤال لا يحتاج إلى مزيد من الصمت، بل إلى حوار جاد، وأجوبة واضحة، وحلول عملية.

«بيتنا الآن».. لأن الدفاع عن الصحافة يبدأ أيضاً بالدفاع عن كفاءاتها الشابة، والإنصاف بين خريجيها، وحقهم في مستقبل مهني واضح ومنصف.

شاهد أيضا

شاهد أيضا