حين يتحول الأمن العقاري إلى سؤال حكامة: من يحاسب من داخل الوكالة

ما وقع داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية ليس مجرد حادث عابر في مسار مؤسسة عمومية، بل هو ناقوس خطر حقيقي يدق في عمق منظومة يُفترض أنها صمام أمان الملكية العقارية والاستثمار بالمغرب.

إدانة مسؤول بارز ابتدائياً من طرف محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، في انتظار ما ستسفر عنه درجات التقاضي، ليست فقط واقعة قضائية معزولة، بل مرآة تعكس اختلالات أعمق، تتجاوز الأشخاص لتلامس جوهر الحكامة داخل هذه المؤسسة الاستراتيجية.

إن ما يثير القلق اليوم ليس فقط مضمون الحكم، بل السياق الذي أفرزه: سنوات من الشكاوى غير المعلنة، وتذمر داخلي من طرق التدبير، وشعور متنامٍ لدى عدد من الأطر بأن القرار أصبح يُختزل في دائرة ضيقة، في غياب توازن مؤسساتي حقيقي.

الأخطر من ذلك، أن هذه الوضعية لم تكن وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة، ساهم فيها استمرار بعض المسؤولين في مواقع القرار رغم بلوغهم سن التقاعد منذ سنوات، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير الاستمرارية وتجديد النخب داخل مؤسسة يفترض فيها أن تكون نموذجاً في الانضباط والنجاعة.

إن تركيز السلطة التدبيرية، وتأخر شغل مناصب شاغرة لمدد غير مبررة، وهجرة كفاءات هندسية وتقنية، كلها مؤشرات لا يمكن قراءتها إلا كأعراض لخلل بنيوي في منظومة التسيير، لا كوقائع معزولة أو استثناءات عابرة.

وأمام هذا الوضع، فإن المسؤولية لا يمكن أن تظل معلقة في الهواء. فالمجلس الإداري، باعتباره جهاز الحكامة الأول، مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لتحمل مسؤولياته كاملة، ليس فقط في التتبع، بل في التقييم والمساءلة واتخاذ قرارات جريئة تعيد الأمور إلى نصابها.

كما أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يشكل أحد أعمدة التوجيهات الملكية لصاحب الجلالة محمد السادس، لا يمكن أن يظل شعاراً مؤجلاً كلما تعلق الأمر بمؤسسات حساسة.

إن الرهان اليوم لا يتعلق بسمعة مؤسسة فقط، بل بثقة المواطنين والمستثمرين في منظومة الأمن العقاري برمتها. وهي ثقة لا تُستعاد بالبلاغات، بل بإجراءات ملموسة: ضخ دماء جديدة في مراكز القرار، تفعيل آليات المراقبة، وإرساء حكامة شفافة تقطع مع كل أشكال التمركز والجمود.

لقد آن الأوان لطرح السؤال بصراحة: هل هناك إرادة حقيقية لإصلاح ما يجب إصلاحه، أم أن منطق الانتظار سيستمر إلى أن تقع هزات أكبر؟

التاريخ لا يرحم المؤسسات التي تتأخر عن تصحيح أخطائها… والأمن العقاري ليس مجالاً يُسمح فيه بالانتظار.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد