حرب أوكرانيا والخليج.. بوتين يستنزف الغرب، وإيران تقبض على المكاسب!

لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد مواجهة عسكرية بين موسكو وكييف، بل تحولت إلى حرب استنزاف مفتوحة، تتجاوز حدود البلدين لتلقي بظلالها الثقيلة على أوروبا والشرق الأوسط، وعلى توازنات القوة بين روسيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. وفي قلب هذا المشهد المعقد، يظل الشعب الأوكراني هو الذي يدفع الثمن الباهظ من أرواحه ومقدراته ومستقبله، بينما تتشابك حسابات القوى الكبرى فوق أنقاض المدن والمنشآت.

إن إصرار فلاديمير بوتين على مواصلة الحرب، في مقابل تمسك القيادة الأوكرانية بمقاومة الغزو، يطيل أمد المواجهة ويضاعف الخسائر، دون أن تلوح في الأفق تسوية نهائية تضمن الأمن والسيادة وتضع حداً لنزيف الدماء. وبينما تتواصل المعارك، تتسع دائرة المستفيدين سياسياً واستراتيجياً من انشغال الغرب بجبهات متعددة.

روسيا لا تحارب أوكرانيا وحدها في حساباتها الاستراتيجية؛ إنها تواجه أيضاً خصومها الغربيين، وتستثمر في انقسام أولوياتهم وتشتت مواردهم. فكلما طال أمد الحرب الأوكرانية، ازدادت الضغوط على مخزونات الأسلحة الغربية، وتعقدت حسابات الدعم العسكري والمالي لكييف، ووجدت موسكو فرصة لمواصلة الضغط على خصومها. وقد أشارت تحليلات استراتيجية إلى أن حرب الشرق الأوسط يمكن أن تخدم المصالح الروسية على المدى القصير، عبر ارتفاع عائدات الطاقة وتحويل جزء من الاهتمام والموارد الغربية بعيداً عن أوكرانيا.

أما إيران، فتجد في هذا التشابك الدولي مجالاً لتعزيز أوراقها الإقليمية، وتوسيع قدرتها على المناورة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. فالعلاقة الاستراتيجية بين طهران وموسكو، إلى جانب تعاون إيران مع شركاء آخرين، تجعل الصراعين مترابطين في بعض جوانبهما العسكرية والسياسية. لكن من الخطأ اعتبار أن روسيا والصين وكوريا الشمالية تتحرك جميعها وفق خطة واحدة، أو أن الدعم الخارجي وحده يحسم مستقبل إيران؛ فلكل دولة حساباتها وحدودها ومصالحها الخاصة.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى: كلما اتسعت رقعة المواجهة، ازدادت فرص طهران في استثمار انشغال خصومها، بينما تتزايد المخاطر على استقرار المنطقة وأمن شعوبها. فحرب الخليج، مثل الحرب الأوكرانية، لا تُقاس نتائجها بعدد الصواريخ والطائرات وحده، بل أيضاً بما تستنزفه من اقتصادات، وما تزرعه من خوف، وما تتركه من أزمات اجتماعية ومعيشية قد تمتد آثارها لسنوات.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن تجاهل البعد الروسي في المشهد الإيراني. فموسكو، التي تخوض حرباً طويلة مع أوكرانيا وتواجه ضغوطاً غربية، قد تستفيد من انشغال واشنطن وحلفائها بالمواجهة في الشرق الأوسط. غير أن تحويل هذه الملاحظة إلى حكم قاطع بأن الكرملين يدير كل خيوط الصراع انتقاماً من حلف الناتو يحتاج إلى أدلة مباشرة؛ فالمصالح المتقاطعة لا تعني بالضرورة وجود قيادة موحدة لكل هذه الحروب.

والسؤال الذي ينبغي أن يقلق العواصم الغربية ليس فقط: كيف يمكن احتواء روسيا أو إيران؟ بل أيضاً: إلى متى ستظل سياسة تعدد الجبهات تستنزف الموارد وتؤجل التسويات السياسية؟ وهل يمكن تحقيق أمن دائم عبر مواصلة الحروب، أم أن غياب الحلول الدبلوماسية سيمنح الأطراف المتنافسة فرصاً جديدة لإطالة الصراع وتحقيق مكاسب مؤقتة على حساب الشعوب؟

إن الرهان على انهيار إيران بمجرد توقف الحرب الروسية الأوكرانية يظل بدوره افتراضاً لا يمكن الجزم به؛ فالقوة الإيرانية ترتبط بعوامل داخلية وعسكرية واقتصادية وإقليمية، ولا تختزل في الدعم الروسي أو الصيني أو الكوري الشمالي. ومع ذلك، فإن انتهاء الحرب الأوكرانية بتسوية عادلة قد يعيد ترتيب الأولويات الدولية، ويتيح للغرب تركيزاً أكبر على الملفات الأخرى، ويقلص بعض الهوامش التي تستفيد منها القوى المتنافسة.

إن العالم لا يحتاج إلى حرب تستنزف أوروبا، وأخرى تهدد الخليج، وثالثة تفتح الباب أمام مواجهات أوسع. ما يحتاجه هو إرادة سياسية توقف نزيف الدم، وتحمي سيادة الدول، وتمنع تحويل الشعوب إلى رهائن في صراعات النفوذ.

ففي حروب الاستنزاف، قد تربح الدول وقتاً ونفوذاً، وقد تحقق الأنظمة مكاسب ظرفية، لكن الخاسر الأكبر يظل الإنسان الذي يدفع ثمن حسابات لم يشارك في صنعها. ومن هنا، فإن السلام ليس تنازلاً عن المصالح، بل اختبار حقيقي لقدرة القادة على وضع مستقبل الشعوب فوق حسابات الانتقام وتصفية الحسابات الدولية.

شاهد أيضا

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد