بين الواقع والبلاغات الترويجية.. هل قدمت الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية إجراءات استثنائية فعلا لفائدة الجالية المغربية بالخارج
أثار بلاغ صحفي تم توزيعه على عدد من المنابر الإعلامية، خاصة الإلكترونية منها، العديد من علامات الاستفهام بشأن الجهة التي تقف وراء إصداره، وحول الأهداف الحقيقية المتوخاة منه. فبالنسبة لجريدة “بيتنا الآن”، لا يوجد ما يؤكد أن البلاغ صادر عن مؤسسة الوسيط، كما يصعب الجزم بأنه صادر وفق الضوابط المهنية المعمول بها في مجال التواصل المؤسساتي.
وإذا كان البلاغ قد صدر عن مصلحة التواصل بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، فإن الأمر يطرح أكثر من سؤال حول مدى الإلمام بقواعد التواصل الإداري والمؤسساتي، خصوصا التمييز بين التواصل الداخلي الموجه للموظفين والأطر، والتواصل الخارجي الموجه للرأي العام ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية والإلكترونية.
البلاغ المذكور حاول تقديم ما وصفه بـ”إجراءات استثنائية” لفائدة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج خلال فترة عملية العبور الصيفية. غير أن المتتبعين والعارفين بخبايا المؤسسة يؤكدون أن الأمر لا يتعلق بأي تدابير استثنائية، بل بإجراءات عادية وروتينية دأبت الوكالة على اعتمادها منذ أكثر من عشرين سنة، انسجاما مع العناية الخاصة التي يوليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله لمغاربة العالم.
فالعملية تنطلق سنويا يوم 15 يونيو وتنتهي يوم 15 شتنبر، وتتضمن تعيين أطر مختصة لاستقبال أفراد الجالية بمختلف المحافظات العقارية ومصالح المسح العقاري، إضافة إلى تقليص آجال بعض الإجراءات المرتبطة بملفات التحفيظ العقاري، وخاصة ما يتعلق بتحديد العمليات الطبوغرافية، وهي إجراءات معمول بها منذ سنوات طويلة وليست وليدة اليوم.
كما أن نظام المداومة الممتد من الرابعة والنصف مساء إلى السادسة والنصف مساء من الإثنين إلى الجمعة، ومن التاسعة صباحا إلى الواحدة بعد الزوال يوم السبت، ظل معمولا به منذ عقود، ولم يتم استحداثه هذه السنة كما حاول البلاغ الإيحاء بذلك.
ومن الحقائق التي لا يمكن القفز عليها أن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية كانت، قبل إحداث مؤسسة الوسيط بسنوات طويلة، مجندة لخدمة أفراد الجالية المغربية بالخارج خلال فترة الصيف، كما ظلت حاضرة بشكل مستمر داخل مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، حيث يتم تخصيص أطر ذات كفاءة وخبرة عالية لتقديم الخدمات والإرشادات اللازمة للمواطنين.
أما الحديث عن تعبئة الرقم الأخضر كإجراء استثنائي، فهو بدوره يفتقد للدقة، لأن هذا الرقم يشتغل طيلة السنة ويستقبل استفسارات وشكايات المواطنين دون انقطاع، سواء تعلق الأمر بفترة الصيف أو بباقي أشهر السنة.
وفي السياق ذاته، يغفل البلاغ الإشارة إلى الدور المحوري الذي تضطلع به المفتشية العامة للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، باعتبارها المخاطب الرئيسي لمؤسسة الوسيط في معالجة الشكايات والتظلمات، حيث تقوم بعمليات البحث والتحقيق والتتبع الميداني بمختلف المصالح الخارجية، في عمل يومي ومتواصل يهدف إلى حماية حقوق المرتفقين داخل المغرب وخارجه.
إن جميع الأطر والمستخدمين والمسؤولين بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، وعلى رأسهم المدير العام، يبذلون مجهودات كبيرة لخدمة رعايا صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، سواء داخل أرض الوطن أو خارجه، وهو عمل مؤسساتي متواصل لا يحتاج إلى حملات دعائية أو بلاغات تضخيمية بقدر ما يحتاج إلى تواصل مهني رصين يعكس الواقع كما هو.
إن الرأي الذي عبر عنه أحد الأطر العليا السابقين بالمحافظة العقارية، والذي واكب هذه التجربة لسنوات طويلة، يطرح قضية جوهرية تتمثل في ضرورة اعتماد المصداقية والدقة في الخطاب التواصلي للمؤسسات العمومية، والابتعاد عن أسلوب النفخ الإعلامي الذي قد يسيء أكثر مما يخدم صورة المؤسسة.
فالتواصل الناجح لا يقوم على صناعة الإنجازات الوهمية، بل على إبراز ما تحقق فعلا بكل موضوعية ومسؤولية، وهو ما يجعل من الضروري مساءلة الجهة المكلفة بالتواصل داخل الوكالة حول مضمون هذا البلاغ وأسباب تقديم إجراءات عادية على أنها استثنائية، حفاظا على مصداقية المؤسسة واحتراما لحق الرأي العام في الحصول على المعلومة الدقيقة.